الرئيسية / الرئيسية / وطني وأوطان الآخرين

وطني وأوطان الآخرين

عاشور فني

 

وطني لم يأت منّة من أحد. هدية الشهداء. امانة الأجيال. وطني  فضاء حميمي صنعته بنفسي ونحته في ذاتي. لا يحرسه العسس بل تحرسه الأحلام والآمال وتصوغه الإرادة.  لم أرثه ولن أورثه لأحد. وطني فضاء أنحته من نفسي لي وللآخرين معي. في حيز أعرفه جيدا. وعيته صغيرا وارتبطت به شابا وأوسعه كل يوم بإبداعي وبفكري وأؤثثه بمشاعري. وطنيتي ثقافية وإنسانية وليست أمنية ولا لصوصية. وطني نظيف جدا طاهر وأنا أحاول أن أرتفع كل يوم درجة لأرقى إلى ما يؤهلني لأسكنه وأملأه وأطوره وأدافع عنه بأظافري وأشفاري. أبادلك نفس المشاعر. أعبر عما يختلج في نفسي بكل صدق وإخلاص دون نفاق ولا ابتذال.

حين كنت في سن 19 كان من حظي أن أقتفي أثر المجاهدين والشهداء في غابات سي مصطفى قرب برج منايل وأن أدخل مغارات دخلوها. وأن أرمي بالا ر بي جي على دبابة من بقايا سلاح المستعمر. وكان من حظي أن أقف على حدود الجزائر الجنوبية في عين قزام. وقبلها كان من حظي ان أتربى في حضن عائلة مجاهدة علمتنا احترام الوطن وان نمجده في انفسنا وفي البيت وان نغرسه عميقا في قلوبنا ونرفعه عاليا يرفرف مع أرواحنا الحرة. أنفقت علينا من خبزها لتنقذنا من الجهل الذي فرضه المستعمر عل أجدادنا ليستغل ضعفهم الإنساني ويقهرهم بجبروته. تعلمنا في ظروف خرافية يوم كان التعليم نادرا والخرافة سيدة. كبرنا في ظل دولة ترعى أبناءها تفتح لهم الآفاق ليكونوا في مستوى شباب كل الأمم الحرة. لذلك تراني أتحدث بثقة من رآى وعاش وبطمأنينة من يؤمن إيمانا عميقا بما يكتب.

هؤلاء السياسيون و”الساسيون” المفلسون واللصوص لا علاقة لم بما أتحدث عنهم. أنت تراهم ولعلك لا ترى سواهم ولذلك يصعب عليك أن ترى ما أتحدث عنه. وإذا كان الفساد قد استشرى وعم وطم فقد عرفت الجزائر ما هو أكبر وأخطر منه ومع ذلك فقد استطاع الوطن أن يكنس المفسدين وفسادهم. أنت تصدر عن يأس متمكن. وأنا أصدر عن واقعية: كل هذا إلى زوال. ثق.. الوطن يعرف أبناءه ساعة الحقيقة.
وطن الآخرين محترم نظيف مرتب له حدود. لم نعد في زمن الإمبراطوريات القديمة التي لا حدد لها. الأوطان المعاصرة قائمة على الانتماء الصحيح والعمل المتقن والقيم الواضحة المتفق عليها. ولكلِ حسب ما يقدمه لوطنه. لن تجد في وطنك غير ما بذلت من أجله. أعجب للذين لم يقدموا لوطنهم شيئا ويريدون أن يجدوا وطنا حسب ما يتصورونه أو حسب ما رأوه لدى الآخرين: أولئك بنوا أوطانهم. يتعين أن نبني أوطاننا لا أن نتركها في يد من نراهم أعداءها. ماذا فعل هؤلاء المتنطعون الذين ينتقدون اوطانهم وهم يقارنونها بما يرون لدى الآخرين؟ في الحقيقية يريدون كل شيء جاهزا. هذه ثقافة الفساد. بها يبرر كثير من الناس انتقالهم للعيش – عالة -على أوطان الآخرين. فيفسدونها بحضورهم القائم على ثقافة الفساد هذه. لكنهم يضطرون إلى قبول الذل والاستغلال والقهر فيها لأنهم لم يبذلوا شيئا في صنعها. يحصلون على اجر المرتزق. ذلك حقهم. ثم يتم التخلص منهم في أول فرصة: الأزمة الأخيرة دليل على ذلك.

رأس المال وسع نطاق سوق العمل على المستوى الدولي وفرض قيمه الواضحة: الكفاءة والفعالية والحرية. انت مرغوب في جهدك- لا فيك- مادمت قادرا عل العطاء ثم يتم التخلص منك بكل بساطة. ها هي أكداس البشر تهرب من أوطانها بعد تدميرها إلى أوطان الآخرين. تلك قيم رأس المال. لكن السياسة شيء آخر. حين تضيق السوق تتوقف القيم والقواعد الأخلاقية وتتحرك السياسة. هناك تظهر الحدود الإستراتيجية للامن القومي لكل وطن: الوطن الفرنسي يمتد إلى باماكو ومايوت. والوطن الأمريكي يمتد إل كابول وجبال البورا بورا. أما وطن الجزائريين فيضمر ويتقلص في سياسة حكامهم الحاليين ويضيق في قلوبهم ويخف وزنه.

أرفض هذا القصور وأحاربه بوضوح في نفسي وفي محيطي وفي سلوكي. وليعذرني أصدقائي إن اختلفنا في هذا . أما غيرهم فيجمعني بهم هذا الوطن. وذلك عذر كاف لأن نختلف في حبه وفي بنائه وفي الدفاع عنه. لكننا لن نختلف عليه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*