الرئيسية / الرئيسية / نفحات رحلة أدرارية خاطفة

نفحات رحلة أدرارية خاطفة

عبد القادر جمعة

أنا المصاب بفوبيا الطيران، تعلمت أن اغالب هواجسي بالكلام والمحادثة، ولم تكن الأقدار السعيدة لتكتب لي رفقة، خلال هذه الرحلة، أحسن من رفقة أديبين الشاعر سليمان جوادي والكاتب عبد الحميد إيزة، وجلست بجوار سليمان جوادي، المتحدث اللبق ، بمخزون لا محدود من الحكايات والنوادر عن خبايا وكواليس عالم الفن والثقافة والاعلام في الجزائر، لكن عذوبة احاديث رفيقي، لم تلهني عن استراق النظر للشاشة المتدلية من سقف الطائرة، لأرى كم دقيقة تبقت على الهبوط، ولا أنستني حكاياته حقيقة كوني جالسا داخل انبوب معدني طائر على ارتفاع عشرة آلاف متر وبسرعة ألف كيلومتر في الساعة،
ويتملكني شكّ مخيف بأننا ثابتون في مكاننا لا نتحرك ، فمحيط الرمال الرتيب اللامتناهي تحتنا لا يعطيك الا معالم نادرة تمكنك من الاحساس بالحركة.. كل ما تحتنا رمال..رمال حمراء داكنة لا علاقة لها بكثبان الرمال الصفراء الذهبية التي نقرأ عنها ، فالصحراء هنا اصطبغت بالأحمر البني من درجات متفاوتة، اما تلك البقع الصغيرة والنادرة التي تظهر خضراء غامقة حد السواد فهي واحات نخيل أو مزارع او الاثنين معا في الغالب، لكنها على ضآلتها تخفف قليلا من شعور الرتابة والفراغ المخيف، وتثير في نفسي كثيرا من الحيرة حول تلك القدرة العجيبة التي يملكها البشر على مصارعة طبيعة خطرة لا تقدم أي تنازل، وقدرتهم على العيش والتأقلم مع كل الظروف، وتثير فيّ حيرة أكبر حول تفاصيل حياة الناس على هذه النتوءات النباتية الضئيلة، وسط هذا المحيط من الجفاف والقحط والقساوة، كيف عملوا وكيف تعلموا، كيف أحبوا وتزوجوا وأنجبوا؟ كيف فرحوا وغنوا ونظموا الشعر؟ كيف سافروا وتنقلوا وتواصلوا؟ ثم كيف شاخو وماتوا واندثروا..؟ هنا وسط هذا اللامكان ..

وجاء الهبوط بعد طول انتظار “خبطة” قوية على مدرج المطار، لكن لا شيء يمكنه ان يفسد فرحتي بالعودة الى الارض واحساسي بها صلبة ثابتة تحت قدمي..أو ذلك الشعور الرائع ببداية رحلة جديدة ووعد بمغامرة كامنة.
بحكم طبيعة عملي زرت بلدانا كثيرة ومدنا أكثر في قارات العالم الخمس، وتعودت ان يكون انطباعي الاول عن المكان الذي ازور، هو الانطباع الذي يلازمني طوال الرحلة، ولم يخطئ هذا الاحساس الا نادرا، فأنا أحب الأماكن من النظرة الاولى أو لا أحبها، الا أماكن تمنيت زيارتها، أوأحببتها بظهر الغيب، وقد تمنيت زيارة ادرار منذ أمد بعيد ، لكن الفرصة لم تتح الا الآن، ولم يكن بالامكان الا ان احبها.

 

التضاريس المنبسطة والبنايات بأقواسها وأسطحها المسننة، واللون الأحمر الآجري الغامق الذي طليت به الواجهات، تمنح العين راحة كبيرة، وتبعث في النفس احساسا ممتعا بالتغيير وشيء من الغرابة..طبعا البثور الاسمنتية القبيحة موجودة لتذكرك انك مازالت في الجزائر وان همجية العمران ووباء البناء اللقيط طالا كل مكان، وكذلك تفعل مخلفات البلاستيك المنتشرة في كل مكان، والاكياس السوداء التي تتطاير كغربان شؤم كلما هبت نسمة ريح بالمكان..


لكني قررت ان لا أترك المنغصات ايا كانت تمنعني عن رؤية ماهو جميل ومميز، او ان تحول بيني وبين الاستمتاع بايامي القليلة في آذرار، في المطار استقبلنا الدكتور عبد الله كروم بابتسامته الدائمة وعبد الكريم ينينة بلهفة القريب المشتاق لأهله القادمين من سفر طويل، وسرعان ما التحق بنا البروفيسور الصديق حاج احمد الزيواني ولم يفارقنا هذا الثلاثي الطيب الا في المطار بعد ثلاثة ايام ونحن عائدون الى العاصمة، رافقونا الى فندق “تيمي” باسمه الرومنسي ومديره المضياف. وبعد سويعات من الراحة، كنا نحضر أمسية شعرية في المدرج الفسيح لدار الثقافة، الحضور متواضع، لكن سرعان ما اكتشفت أن جميع من في القاعة ،سواي، شعراء .. وسارت الأمسية بسلاسة ومتعة، فأنا الذي غالبا ما وجدت صعوبة في تذوق الشعر بكل الوانه وانماطه، اجد نفسي هنا اطرب للشعر وللشعر الشعبي اكثر من الفصيح..

في الغد كان نصيبي أن أشارك في تنشيط ندوة حول الهوية والثقافة بجانب البروفيسور الحاج صديق الزيواني بالمكتبة الرئيسية، و مرت الأمور بيسر وسهولة وكان حوارا شيقا ومثمرا، ولم يحزّ في نفس الا أن المدرج الذي نظمت فيه الندوة يعادل مساحة كل “المكتبة الرئيسة” التي أديرها في العاصمة، فمناطق الظلّ ليست دائما حيث نعتقد..

تناولنا غداء تقليديا في مطعم بوسط المدينة، “خبز القلّة” الشبيه بالشخشوخة المسيلية ، وانطلقنا بعدها كريمو وأنا نبحث عن قهوة “كبسولة” تعيد لنا بعض اليقظة، لكن إيزة لا يكف عن تذكيرنا بغباء مسعانا، فكيف نطلب القهوة في وطن الشاي ؟. وجدنا ضالتنا في مقهى قبائلي نصف مغلق، ثم عدنا للمكتبة وللقاعة التي تثير غيرتي وأساي، واستلقينا على بعض الارائك في انتظار أن يبدأ النشاط المسائي، قراءات من “صعب تأويل الهديل” لرفيقنا عبد الحميد ايزة .. مقاطع محلقة بين الشعر والنثر، بين فيوض التصوف وتمرد السياسة. تلتها وجبة قراءات شعرية جديدة تألق فيها رفيقانا الآخران كريمو منشطا وجوادي شاعرا.


صباح اليوم التالي شاركت في ندوة بالإذاعة المحلية، ثم في الحفل الرسمي في دار الثقافة، بدا لي ثقيلا اكثر من اللازم، وحشرت فيه فعاليات كثيرة كان الافضل، في نظري، لو جرى توزيعها على اوقات اخرى، المهم اننا حضرنا بعضها ثم تسللنا بهدوء، فانطلق سليمان جوادي وعبد الله كروم الى تيميمون لتنصيب المكتب الولاىي لبيت الشعر الجزائري بتيميمون واخترت مع عبد الحميد ايزة وكريمو ينينة، التسكع قليلا في سوق “بودا” العامر، استعداد لغداء شوقنا اليه كريمو كثيرا حتى أسال لعابنا أكثر من مرة، فقد دعانا لتناول طبق المايناما الافريقي، وكانت الحقيقة بحجم التوقعات والآمال، فالمايناما هو شواء من لحم الضأن أو الدجاج يتم داخل افران حديدية خاصة، فيأتي اللحم طريا غير جاف، وينثر فوقه خليط من التوابل بنكهة حارة فيعطيه طعما مميزا ولذة لا تنسى، أتحفنا كريمو بالمايناما، واتحفنا عبد الله كروم والحاج الزيواني والفنان يوسف قلوم بمآدب في بيوتهم العامرة، أكدت لنا مرة أخرى أن كرم الجنوب الكبير لم ينقطع.
اعتقد اني مشيت خلال الايام الثلاثة مسافة ومدة أكثر مما مشيت طوال سنة كاملة، مشيت رفقة كريمو وعبد الحميد وتجولنا في كل اتجاه. اعتقد اني استعدت متعة التجول، والمشي المتأني بلا عجلة لا زحام ولا عراك ولا تشنج، وزادت المتعة بحضور نفحة تاريخ تتقافز في رأسي وأكاد المسها من حولي.. فلم يغب عن ذهني أن ابن بطوطة حط رحاله هنا، وهو عائد من رحلته الى تمبكتو ومملكة مالي العظيمة، اقام في بلدة بودا (الواقعة الآن ضمن نطاق مدينة ادرار، حيث السوق الشهير المسمى سوق بودا) واستراح من نصب مرحلة شاقة قادته عبر الهقار وارض الطوارق الذين يبدو أنه لم يحبهم كثيرا..
وأن المغيلي عاش في هذه الربوع، ومنها أطلق موجة فكرية وسياسية اكتسحت القرن الخامس عشر الميلادي فوصلت الى فاس والجزائر والقيروان شمالا والى تمبكتو وضفاف النيجر جنوبا ومازال رذاذها يتطاير الى اليوم.
وأن عشرات الزهاد والمتصوفة والعلماء، اختاروا عبر قرون ان يبنوا زواياهم ومدارسهم هنا ، لتربية النفوس والعقول،
وأن اعراقا ولغات وديانات مختلفة عاشت هنا وتعايشت ، وتمازجت ثقافات وتوالدت في هدوء وتواضع، فهنا عاش اليهود والمسيحيون والمسلمون ، كما عاش العرب والبربر والأفارقة دهورا في تناغم وألفة بلا ادعاء ولا صخب..
وهناك صدى تلك العلاقة القديمة التي ربطت الجزائر العاصمة وضواحيها بهذه الأصقاع ، ، وبين قبيلة الثعالبة تحديدا والمنطقة، كما ذكره ليون الافريقي حين قال :” كانت ثعلبة(قبيلة الثعالبة) تسكن سهل الجزائر وتنتقل في الصحراء حتى تكديت ، ” (ليون الافريقي، وصف افريقيا، ترجمة وتحقيق محمد حجي و محمد الاخضر، دار الغرب الاسلامي، بيروت، الطبعة الثانية 1983) ويبدو واضحا ان المقصود هو تيديكلت لكن تصحيف الخطاطين او المترجمين حرفها قليلا الى تكديت … ومن المفارقات ان المحقق علق على ذلك بقوله : “لعله يقصد توات البعيدة عن الجزائر، وربما قصد تكدمت القريبة من تاهرت في منطقة سرسو”..كأنه استغرب ان يتم التواصل مع بعد الشقة والمسافة..وقد يفسر هذا، لماذا أن عبد الكريم المغيلي العائد من بجاية مرّ بالعاصمة لزيارة عبد الرحمن الثعالبي إمام عصره، ليأخد عنه الطريقة القادرية،ويبدو ان شيخ العاصمة وعالمها الفذّ أعجب بالفقيه التلمساني الشاب وتوسم فيه النجابة والتميز، فنصحه حسبما ما يقال بالتوجه الى منطقة توات ، ولم يكتف الشيخ الثعالبي بتزويد مريده النجيب بالنصائح والاوراد، فزوجه احدى بناته، وشاءت الأقدار لتلك الفتاة القادمة من اقصى الشمال الى اعماق الجنوب، أن تفارق الحياة في الايام الاولى لوصولها الى موطنها الجديد، فدفنت بأولاد سعيد قرب تيميمون وبجانبها دفن ابنها علي ، ومازال ضريح لالة زينب بنت سيدي عبد الرحمن الثعالبي وزوجة سيدي محمد عبد الكريم المغيلي، مزارا معروفا.


لم تغب هذه الصور عن دهني طيلة الأيام القليلة هنا في عاصمة توات، وظل صداها يرافقني و نحن نهرول في شوارع تمنطيط الرملية الضيقة، جاهدين أن نرى أكثر ما يمكن من معالم، والتقاط أكبر قدر من الصور، يتجادل كريمو وايزة حول التطبيع وحول جدوى نصرة فلسطين بنظم القصائد، ونحن ندخل حي اولاد داوود (الحي اليهودي) الذي لا يختلف عن الاحياء الاخرى الا بكونه مغلقا او ربما محصنا بطريقة ما، وبوجود نوع من الفتحات في الجدران الواقعة على الشارع الداخلي.

أخبرنا مرشدنا الدكتور عبد الله كروم ان تلك الفتحات هي واجهات دكاكين ذلك الزمن الغابر، تمنطيط القديمة الهادئة المتهالكة شبه المهجورة، دخلت التاريخ من باب الصراع بين اليهود الذين استوطنوها وسيطروا على اقتصادها وبين الفقيه المغيلي القادم من تلمسان، الذي شن عليهم حربا مقدسة لاجلائهم عنها، لانهم تجاوزوا وضع اهل الذمة واحتكروا الأرزاق.
وسبقت المواجهة بين يهود تمنطيط وانصار المغيلي مواجهة فكرية فقهية بين هذا الاخير وبين فقهاء وعلماء المنطقة حول شرعية دعواه بضرورة اجلاء اليهود وهدم معبدهم.
وبرز الشيخ العصموني قاضي تمنطيط في مواجهة المغيلي واحتج عليه بان اليهود اهل صناعة، وان اخراجهم سيكون له عواقب سلبية على اقتصاد المنطقة، واختلف العالمان الكبيران وراسلا كبار علماء عصرهما في تلمسان وفاس والقيروان وغيرها، ويقول المؤرخون ان غالبية علماء العصر وقفت بجانب اطروحة العصموني، لكن يبدو أن كاريزما المغيلي وقوة ارادته فرضت نفسها، وجمع الفقيه جيشه واجلى اليهود عن تمنطيط وهدم بيعتهم وسميت الحادثة “نازلة توات”..
وانقبض قلبي لمشاهدة تمنطيط التاريخية تتفتت بفعل نوازل الطبيعة اولا، وبفعل عمران همجي، فالواحة التي تعانق بناياتها الطينية الحمراء خضرة النخل الباسقات حولها، تتناثر وتتلاشى في صمت، البيوت الأزلية نخرت جدرانها اسلاك الكهرباء وانابيب الماء، وشوهت حمرتها ترقيعات اسمنتية بشعة، وغزتها فوضى البنايات الجديدة التي تظهر في الاماكن التي لا ينبغي ان تظهر فيها، مكعبات من الكآبة غير المكتملة .. آجر عاري.. أسطح فجّة تعلوها أعمدة من حديد صديء كقرون وعد شيطاني بأن الوباء لن يتوقف وسيعلو بطوابق جديدة من الرداءة ..وابواب حديدية في كل مكان..
تذوب تمنطيط وسط لامبالاة عامة، بينما توظيفها السياسي والرمزي يتزايد ويتشعب، فأكاد أرى “نازلة تمنطيط” وقد تنكبها بعضهم جسرا لتطبيع فكري وثقافي وأدبي، بحثا عن رضى اليهود و رضا التطبيعيين الجدد ومنابرهم جوائزهم واعلامهم..
لكني كما قلت سابقا، لن أترك شيئا يفسد علي رحلتي، وأحسب أني وجدت الجمال الحقيقي مع الخطوات الأولى في هذه البقاع ، جمال يصنعه الهدوء وتحدثه السكينة في النفوس القلقة، ولا أقصد بالهدوء غياب الضجيج ، بل وداعة الناس ومتعة الحركة بلا استعجال او قلق، ويسر المعاملة بلا تشنج، وحسن المعشر والجوار بين جنسيات وأعراق وثقافات ومشارب متنوعة، هذا هو ما شعرت أنه جمال أدرار الحقيقي. ووعد بعودة قريبة.
عبد القادر جمعة
20 جانفي 2021

عن admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

أثبت أنك بشر .. هههه *