الرئيسية / الرئيسية / مميزون ثقافيا: آسيا علي موسى

مميزون ثقافيا: آسيا علي موسى

عبد الرزاق بو كبة

راهنت آسيا علي موسى على الحضور الهادئ والبعيد عن الابتذال، الذي يقع فيه بعض الكتّاب، منذ أن أعلنت عن نفسها قاصّةً ومترجمةً، من خلال “عفوًا.. إنه القدر” عام 2001، و”أحلام مصادرة” عام 2003، و”رسائل اللحظة الأخيرة” عام 2005، و”ورسائل إلى آدم” عام 2013، وترجمة روايتي “باب القنطرة” لنجية عبير و”عيد ميلاد” لمولود فرعون عام 2007، وهي السنة التي أطلقت فيها مشروع دار نشر أسمتها “ميم”.

جعل ميلُها إلى مفردات الهدوء والصمت والحياء والزهد في الظهور كثيرين يتوقعون الفشل لمشروعها، في ظل مشهد نشرٍ جزائري يصارع فيه الكبارُ الكبارَ، فكيف بالصغار الوافدين بالصفات المذكورة؟ ذلك أن الحكومة وضعت الملايير في طريقهم، من خلال سياسة دعمٍ منحازة ومتسيّبة، أسالت لعاب أصحاب المال على حساب أصحاب الجمال، فانتشرت دور النشر كما ينتشر الفِطر بعد هطول المطر. ليختفي معظمها مباشرةً بعد اختفاء الدعم المالي بهبوط أسعار المحروقات.

لم تكن القاصّة الناشرة تحتكم في طريقها الجديد، إلا إلى شغفها بالكتاب والرغبة في إضاءة طريق المبدعين المهمّشين فيه، مسخّرةً جيبها وبيتها وأسرتها في توفير هذا الضوء، مترنحةً بين أمل ويأس وتفاؤل وتشاؤم وإقدام وإحجام وجرأة وخوف، وكانت في الحالات كلّها تنتصر إلى الطرف الأول من الثنائية.

قالت لي عام 2016: “أعلم أنه حلم كبير وأن الواقع يشدّني إلى الوراء، ولكنني واثقة من أن العطاء بمحبة لا يخيّب أصحابه. وأن الشق التجاري مهما كانت أهدافه لا يجب أن يطغى على الشق الإنساني والروحي. شيء صغير قد ينقذ العالم قليلًا من قبحه، ويسدّ بعض بؤر الخراب”.

وما جعل “ميم” تبدو مغامرة مضاعفة، أنها راهنت منذ البداية على الكتاب الأدبي شعرًا وقصة ورواية ونقدًا متخصّصًا، وعلى أقلام تشقّ طريق البدايات، في مشهد تهيمن عليه أقلام كرّس بعضَها تواطؤُ الإعلام والسياسة والمال والشلّة، فكان الأمر شبيهًا بصراع بين عصفور وعُقاب. تقول: “في العالم كله توجد دور كبيرة متخصصة في الأدب، فلماذا لا يحدث ذلك في الجزائر؟ تمنيت للجزائر دارًا كبيرة تحترم الكتاب والكاتب والقارئ وتقدم الماركة الجزائرية بكل وقار وكرامة وجمال، ولازلت أسعى ليترسخ ذلك. أعلم أن الدار لم تتقدّم كثيرًا ولا تزال تتعثر، لكن يكفي أنها فتحت باب الأمل، في وجه الجيل الجديد”.

هذا الجيل الطازج الذي يحمل أدواته وأساليبه ورؤاه وغناه الخاص، ويعبّر عن واقع جديد وكتابة تختلف. “مغفل من يستهين بهذا المدّ القادم، علينا أن نفسح المجال له ليكتب حاله وحلمه وغضبه ورؤيته للحياة والجمال والقبح كما يراه. لقد آن الأوان لأن نؤمن بأن جيلًا مختلفًا سيفرض نفسه شئنا أم أبينا، فلنكن من صنّاع التغيير والمساهمين فيه، عوض الوقوف ضدّ اتجاه تيار الزمن”.

بالموازاة، راهنت “دار ميم”، التي استمدّت دلالتها من “كتاب الحروف” لشيخ المتصوفة ابن عربي، على الأقلام الشابة من دول عربية أخرى. وكانت التجارب نادرة في هذا الباب جزائريًا، منها تجربة سبّاقة لجمعية ثم دار “الاختلاف”. تقول آسيا علي موسى: “نحتاج إلى أن ننفتح ونحطم هذه الحدود، نعطي ونأخذ، ثم ما الذي يمكننا غلقه وقد بات العالم مدينة صغيرة. فقط علينا أن نحرص على غربلة ما نصدره”.

جاءت الأقلام الفلسطينية في مقدّمة الأقلام العربية التي تفتحت على متونها الدار، فكانت التجربة مناسبة للقارئ الجزائري لأن يعرف شعراء وساردين من غير الأسماء الفلسطينية المكرّسة. “كانت نصوصًا تستحق أن يقرأها الجزائري، ويكتشف أسماء لا يتداولها الإعلام المجحف كثيرًا، وما زلت أكتشف دررًا تستحق أن تنشر وأن تعرف. لو كانت لـ”ميم” إمكانات بعض الدور الأخرى، لاختلف أداؤها مع فلسطين وكتّابها النادرين”.

بعد ثلاثة عشر عامًا عن المكابدة/المغامرة، باتت “ميم” حقيقة في المشهدين الجزائري والعربي. وباتت تحيل على الحضور لا على الصمت، كما هو معروف في القاموس المسرحي، بما أهلها لأن تدخل في شراكات مع دور نشر عربية شبيهة في الأهداف والمنطلقات.

آسيا لا تمارس الشكوى ولا البوح الذي يتعلق بالأشواك التي تعترض طريقها. فهي شغوفة بالحديث والكتابة عمّا يتعلق بالورود. فكم يلزمنا من الخيال لندرك كمَّ المعاناة الذي تجرّعته، قبل أن تحقق للجزائر حلم البوكر؛ من خلال رواية “الديوان الإسبرطي” لعبد الوهاب عيساوي؟

أفليس واجبًا على الجزائر الرسمية التي سارع رئيسها ووزيرة ثقافتها إلى الإشادة بالتّتويج/ المكسب أن تدعم طبعةً شعبيةً للرواية تعوّض من خلالها الدّار بعضَ ما خسرته لأجل الصّالح العام، خلال هذه السّنوات التّي سُجن معظم مسؤوليها السّياسيين بتهمة العبث بالمال العام؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*