الرئيسية / الرئيسية / محمد الأمين بحري.. مقصلة النقد الرحيمة

محمد الأمين بحري.. مقصلة النقد الرحيمة

#مميزون_ثقافيا
عبد الرزاق بو كبة

تكرّرت كلمة “أزمة” في المشهد الأدبيّ الجزائريّ، حتّى فرضت نفسها بصفتها الكلمة المفتاحيّة لهذا المشهد. فقد التقطها صحافيّو الأقسام الثّقافيّة في المنابر الإعلاميّة ومنشّطو النّدوات والجلسات في الملتقيات والمهرجانات، وراحوا يُضمّنونها للأسئلة، التّي يطرحونها على ضيوفهم، فكأنّها مسلّمة أثمرتها دراسات علميّة وميدانيّة ماسحة، فصارت “أزمة الإبداع” الشّجرة، التّي تغطّي على الإبداع عينِه.

ومن العبارات التّي ارتبطت بها كلمة “الأزمة” في الأدبيات الجزائريّة أزمة الكتابة وأزمة القراءة وأزمة النّشر وأزمة التّوزيع وأزمة الجوائز وأزمة النّقد.

من تجلّيات أزمة النّقد الأدبيّ، كما هي مطروحة في المشهد الجزائريّ، والأمر ليس قابلا للتعميم، الرّوح الشّلليّة التي تتحكّم في قطاع واسع من المشتغلين على النّقد، والكسل الذي يهيمن على البعض، وانسحاب البعض، وتوجّه البعض إلى تناول التّجارب المشرقيّة خاصّة الخليجيّة منها طمعًا في العطايا، وانغلاق البعض على المناهج والنّظريات بمعزل عن المتون، وتحلّي البعض بروح التّتفيه والتّسفيه لكلّ ما هو جزائري، أو لكلّ ما هو صادر عن الأجيال الجديدة، وغرق البعض في بِركة المجاملات.

عام 2004، ظهر قلم نقديّ في مجلّة “النّاصّ”، التّي كانت تصدرها جامعة جيجيل في الشّرق الجزائريّ، أظهر أنّه يحمل مشروعًا لا يملك علاقة حميمة مع هذه التجلّيات، من خلال بحث حمل عنوان “الخطاب الرّوائي عند أحلام مستغانمي: انغلاق التّصوير وانفتاح التّأويل”. وقد كان تناول تجربة صاحبة “ذاكرة الجسد”، يومها، خارج كونها تجربة فارقة ومتعالية على النّقد مجلبة لسحابات من الهجوم والهموم، بقدر سحابات مئات الآلاف من القرّاء والقارئات.

ما بين عام 2010 حيث حصل على الدّكتوراه ببحث حمل عنوان “بنية الخطاب المأساوي في رواية التّسعينيات الجزائرية”، وعام 2016 حيث حصل على البروفيسورة، وتخصّص في تدريس المقاييس الفكريّة والموسوعيّة منها الأدب المقارن والآداب العالميّة، خطّ محمّد الأمين بحري لنفسه خطًّا نقديًّا يستبعد المجاملة والمهادنة والانطباعيّة وتجاوز التّجارب الجديدة، حتّى لفت الانتباه إليه وبات حضوره، في منبر ما أو لجنة تحكيم ما، مدعاة لسعادة الباحثين عن النّزاهة والصّراحة، ولتبرّم المتعوّدين على عسل “الهدهدة” النّقديّة.

أعتقد أنّ النّقد، مهما كان اختصاصه، يقول لي بحري، هو صمّام الحماية والأمان للفنّ الذّي ينقده، من الآفات والمغالطات والعيوب العابرة للفنون. وبخصوص النّقد الرّوائي فإنّ النقد إبداع ثانٍ يستهلم روحه من النّصوص، التي يحاورها. وأودّ أن أمرّر ملاحظة هامّة هي أنّ الغالبية العظمى من النّقّاد يعتمدون بشكل جذري على المناهج الغربية، لدرجة أنّ تحليلاتهم تغدو وفيّة للمنهج الغربيّ أكثر من وفائهم لروح النّص الذّي يدرسونه. والأصل أنّ النّصّ الرّوائيّ هو من يدرس المنهج ويُكيّفه مع خطابه، وليس لَيَّ عنق النّصّ لكي يوافق مقولات المنهج.

رغم أنّه ينشر بحوثه النّقدية في مجلّات وجرائد ومواقع عربيّة وازنة، ويشارك بها في ملتقيات ذات قيمة، إلّا أنّ التّجربة النّقديّة لبحري الجدير بلقب “الجلّاد النّبيل” ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بموقع التّواصل الاجتماعيّ فيسبوك، فهو يصحو على منشور وينام على آخر، يبثّ فيه رأيًا أو رؤيةً أو إشارةً أو مزحةً أو طرفةً نقديّةً، بخصوص تجربة سرديّة جزائريّة معيّنة، أو بخصوص تجربة الكتابة عمومًا، في علاقتها بمعناها ومبناها وبمفردات الحياة، جامعًا بذلك بين روح النقد الأدبيّ وروح النّقد الثقافي.

واستطاع بروحه المرحة والحميمة أن يجعل جملته النّقديّة اللّاذعة قادرة على الوصول إلى قطاع واسع من الأقلام الجديدة، حتّى بات ساريًا بينها أنّ من تناوله محمّد الأمين بحري بالنّقد، فهو محظوظ في حالة رضاه وحالة سخطه، لأنّه يستفيد من ملاحظات غير مفخّخة بالأغراض الشّخصيّة. وقد ساهم هذا الحضور في كبح جماح بعض الوجوه، التّي تتعاطى مع الكتابة بصفتها انفعالًا وافتعالًا لا فعلًا، أو تلك التي تستغلّ “الصّمت النقديّ” لاختراق المشهد بعيدًا عن المعايير الجمالية.

يقول لي بحري: “إن هذا راجع لمزاجيتي في التّلقّي، التّي جعلت ذائقتي تتعامل بسلوكيّة المثير والاستجابة، حيث لا أتفاعل إلّا مع ما يُثيرني ويستفزّ ذائقتي سلبًا وإيجابًا، فأكتب بما تمليه عليّ اللّحظة والسّياق ونوعيّة الإثارة، التّي جذبتني في التّلقّي. وقد يجد النّاس في ذلك نوعًا من الصّدمة وربّما القسوة والصّرامة. في بعض الأحكام التّحليلية،. وربّما ما يزيد هذه الشّحنة التّي سمّيتها “الانصدام” أنّي أستشهد بنصوص المعنيين بالنّقاش وأعرضها بالصّفحات والفقرات، فيكون الرّأي مقابلًا للنّصّ، الذّي يبيّن نوعية القضيّة محور التّناول والنّقاش”.

يذكر بحري، من بين الانفعالات/ التّفاعلات، التّي صادفته في مساره، “أنّني نشرت صفحة من روايةٍ لكاتبةٍ لا أعرفها، وسجّلت عليها بعض الملاحظات، ثمّ طرحت على القرّاء بعض الأسئلة المستوحاة من ذلك النّصّ، وإذا بأصدقائي يرسلون إلي بمنشورها، الذي خصّصته لشتمي بأشنع الصّفات، وختمته بتهديد ووعيد بالقبض عليّ في أروقة معرض الكتاب لتريني ما لم أره في حياتي أمام الملأ. وطبعًا ذهبت إلى المعرض ولم يحدث شيء من ذلك. هذا بعض مستوى الوعي بالنّقاش والنّقد لدينا”.

بعيدًا عن هذا النّموذج، يرى محمّد الأمين بحري، الذّي كان ضمن لجنة تحكيم الدّورة الأولى من جائزة “الجزائر تقرأ” للإبداع الرّوائي، أنّ المدوّنة السّرديّة الشّبابيّة في الجزائر “ذات أقلام ملوّنة ترسم لوحة عصرها بكلّ عمق، وأقرأها ضمن سياقها الحضاريّ العالميّ الذي تماشيه، لكن على النّقد أن يجدّد رؤاه ونمطية بناه ليفكّك خطاباتها حداثيًّا وليس سلفيًّا”.

يأخذ بحري على بعض التّجارب الجديدة ثلاثة “مطبّات” سرديّة، “أوّلها تشكيل العقدة وحبك أسبابها وتقاطعاتها، وثانيها: إشكالية الرّاوي (من يسرد الحكاية؟) إذ يعتقد كثير من الكتّاب أنّهم هم من يخاطبون القرّاء وليس الرّاوي المستقلّ أو المدمج تخييليًّا. والمشكلة الأبرز هي غياب القراءة، التّي تُفقد النّصّ ثراءه التأثيثيّ بالمعارف والتّقنيات السّرديّة، التي لا تؤتى لصاحبها إلّا من سعة الاطّلاع”. يشرح فكرته: “ما أسهل أن يكتشف القارئ عند مطالعة نصٍّ فضفاضٍ وخالي الوفاض بأنّ صاحبه لا يجدّد عدّته السّرديّة ومعارفه الخطابيّة بالقراءة والمطالعة للفنّ، الذي يكتب فيه. بالتّالي لن يكتب سوى حالته، التي لا تسقط إلّا على هواجسه المغرقة في ذاتيّتها. ولا يشعر قارئ آخر أنّها تعنيه أو تجسّد أمامه نموذجًا بشريًّا”.

من هنا، يقول إنّ المخابر السّرديّة هي وحدات بحثية تنتمي إلى مؤسّسات جامعيّة، “وقيمتها من قيمة الأكاديميّ المعاصر، الذي ينشّطها. ونعلم جميعًا أنّ الأكاديميّ الجزائريّ، في معظم حالاته، هو عامل شهريّ يتقاضى أجرته الشّهرية ليصرفها على عائلته وذلك همّه الاجتماعيّ الأكبر، ممّا كلّس حركة النّشاط الإبداعيّ في الجامعة، التّي صارت قطعة ثقافيّة متيبّسة ومغلقة على ذاتها. بينما أجد الثّقافة تتّسع وتتّخذ مجاريها الحيويّة لدى النّخب الجمعوية الثقافيّة، التّي تمارس حركتها بكلّ تحرّر وثراء”.

أصدر البروفيسور محمّد الأمير بحري، بالتّزامن مع حصوله على جائزة مصطفى كاتب للدّراسات المسرحيّة، التّي ينظّمها المسرح الوطنيّ الجزائريّ، حيث سرعان ما فرض نفسه من خلال متابعاته المسرحية في المشهد المسرحي، كتاب “الأسطوري: التّأسيس ـ التّجنيس ـ النّقد”. وهو محاولة للزجّ بالفنون الإبداعيّة من خلفيتها الأسطورية والملحمية إلى راهنها المسرحيّ والرّوائيّ والقصصيّ والشّعريّ، ضمن مقاربة النّقد الأسطوري.

وهو نقد أصيل وأيسر انتقالًا بين الحضارات والأمم من أيّ نقد آخر كونه يشتغل على أساطير الأمّة، التي تنتج إبداعها الأدبيّ، ويقدّم أمثلة ونماذج تحليليّة لكيفيات استخراج الأساطير من الإبداع سواء وجدت فيه بطريقة شعورية أو لاشعورية. كما يعيد أساطيريًّا تجنيس كثير من الفنون المعاصرة وترشيحها لهذا النّوع من النّقد نادر التّطبيق في العالمين الغربيّ والعربيّ”.

في السّياق، يقول: “أملك كتابا أتعبني كثيرًا، حول الرّواية التاريخيّة الجزائريّة، وما تشهده من مخاض وفوضى في التّأليف خاصّة حينما تتناول الرّواية التّاريخ أو توظفه تخيليًّا، تارةً باعتباره وسيلة سرد وتارةً أخرى غاية له. وبين التوجّهين يوجد الكثير من الحبر الزّائد والزّمن الضّائع والورق المهدور”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*