الرئيسية / الرئيسية / قصة رقصة تاكوبا(السيف): تصميم حديث لكنه نابع من عمق التراث

قصة رقصة تاكوبا(السيف): تصميم حديث لكنه نابع من عمق التراث

عاشور فني

سليمان آدمي فنان تشكيلي من مدينة جانت. يحمل نظرة فنية خالصة للعالم. كل شيء في نظره قابل للتشكيل. تتخذ العين زاوية نظر مناسبة فتحدث في أبعاد الواقع تغييرات تجعله يبدو مختلفا. يمكنه أن يستنطق الأشياء الجامدة ويحركها فتنبثق فيها الحياة ويتدفق الزمن. الزمن حركة. هكذا ينظر إلى واقعه اليومي: شوارع مدينته جانت والصحراء الواسعة، الأفق الرحب والبيت الدافئ. كل أبعاد الواقع قيم جمالية يمكن الانطلاق منها لإبداع رؤية جديدة للحياة.
في بداية السبعينيات قام برحلات إلى جبال الطاسيلي واستقر بها أياما. خصص وقتا كافيا لتأمل النقوش واللوحات الصخرية. عاش مع الإنسان الأول. الفنان الأول الذي ابتكر الرسم وأدواته. كيف استطاع أن يرسم كل هذه اللوحات؟ ما الذي كان يريد قوله. ثم كيف استطاع ان ينحت الصخر ويترك فيه علامات لا تمحى؟ كيف استطاع أن ينفذ عبر الزمن؟ طرح هذه الأسئلة وغيرها بكل جوارحه.
هناك صور فردية لكائنات مألوفة: رجال ونساء وأبقار وزرافات وأيائل وجمال وأحصنة وغيرها. وهناك مشاهد جماعية متحركة. مشاهد صيد. ومشاهد احتفال. ومعارك. ومشاهد رقص.


توقف عند مشهد الرقص الجماعي: صفان من الرجال في زي حربي يحمل كل صف شارة مختلفة. مشهد صراع إذن. هل كانت معركة أم كانت رقصة؟ ما الفرق؟ عين الفنان يمكنها أن تقرب الأبعاد وتستخرج من المشهد عناصره الأساسية وتميز فيه ما يجعل المعركة مشهد رقص. أو ما يجعل مشهد الرقص معركة حقيقية. هناك عناصر درامية تتطور عبر الحركة. هكذا جعل اللوحة الجامدة على الصخرة تتطور إلى مشهد متحرك: فريقان من الراقصين وفرقة من النساء العازفات. يبدأ المشهد بمصافحة تتطور إلى عراك. يطرح احد المتعاركين الآخر أرضا ثم يبحث عن سيفه ليجهز عليه. تحمل قبيلة كل واحد منها السيف وتتقدم. تدخل المشهد. الرمح والدرع للفرح حسب رقصة الطاسيلي. السيف والدرع رقصة حرب حسب نموذج رقصة الأهقار. رقصات مصممة حسب أبعاد الرقص الحديث لكنها منطلقة من أعماق التاريخ.

 

في العام 1976 انطلقت التحضيرات لمهرجان الشباب العالمي الذي سيجري بعد سنتين في كوبا. جرت منافسات على المستوى الوطني. كانت فرق الرقص من كل ربوع الوطني: البدوي والعلاوي والعاصمي والحضري والنايلي والسطايفي والشاوي والتارقي وغيرها. وبعد التصفيات الجهوية تمت التصفيات الوطنية بقاعة حرشة حسان بالعاصمة. بدأت الفرق الاستعراضات وكانت المنافسة شرسة. وجدت اللجان صعوبة في التقييم بسبب المستوى الرفيع الذي ظهرت به الفرق. تمثيل الجزائر في المحافل الدولية كان مسألة دقيقة جدا.
حدث أثناء استعراض فرقة جانت شيء عجيب. كانت فرقة تامتغست المنافسة قوية وذات خبرة. فرقة جانت كانت دقيقة وذات براعة. كان الراقصون يثبون وسيوفهم إلى الأعلى. فجأة انفصل نصل السيف الذي يحمله أحد الراقصين وارتفع عاليا إلى سقف القاعة في حركة دائرية رهيبة. بشكل تلقائي توقفت الفرقة كلها في مشهد عجيب. ارتفع السيف ومعه الأنظار ثم عاد ورأسه إلى الأسفل ومقبضه إلى الأعلى. ورشق رأسه في خشب الأرضية. حمل الراقص سيفه واستأنفت الفرقة حركتها بتلقائية وسلاسة. هل كانت الفلتة جزء من الرقصة ؟ من يدري. أرواح الراقصين ايضا كانت ترقص. ذلك ما ارتأته لجنة التحكيم. تلك اللقطة سجلت في حوليات الأحداث النادرة حسبما يقوله الاستاذ يوسف أوقاسم الذي رافق الحياة الثقافية والمسرحية في مدينة جانت منذ شبابه إلى اليوم وهو يرعى فرق الشباب بحنو الأب والمربي والعارف. ما يميز الأداء أحيانا هو تلك الفلتات التي تخرج عن التحكم فتبرز القدرة على الانضباط والسيطرة. هكذا شاركت رقصة تاكوبا أول مرة في مهرجان الشباب العالمي بكوبا 1978 وأصبحت تقليدا من التقاليد الراسخة في فنون الرقص الممزة. دامت الرحلة بالباخرة 17 يوما وكان ذلك فوق طاقة تحمل النساء العازفات المرافقات للفرقة فتمت الاستعاضة عنهن بعازفين.
كثيرون يعتقدون انها رقصة فلكلورية شعبية متوراثة بنفس الشكل والملابس عبر العصور. ليس ذلك صحيحا مطلقا بل هو تصميم فنان عبقري يعيش بيننا لكننا لا نراه. لا يراه المسؤولون المكبلون بالبيروقراطية. لا تراه الشاشات العمياء. لا تراه الإذاعات الخرساء ولا الصحف الأمية. يراه من يعرف قدره من أبناء مدينته ومن الفنانين والباحثين.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*