الرئيسية / اكاديميا / في وداع الراحل حسين خمري

في وداع الراحل حسين خمري

ا.د.يوسف وغليسي

جامعة قسنطينة

الناقد الدكتور حسين خمري في ذمة الله!

************ *******

إنا لله وإنا إليه راجعون!
خسارة فادحة فظيعة أخرى تتكبدها الجامعة الجزائرية والنقد الأدبي العربي، هذا المساء الدامس الدامع، برحيل الأستاذ الناقد المترجم؛ الرئيس السابق لقسم الترجمة بجامعة قسنطينة، الدكتور حسين خمري الذي غادرنا إلى الأبد، وهو في السادسة والستين من العمر، محمّلا بترسانة معرفية كبيرة من المواد النقدية الأولية التي لم تسعفه الأقدار في تصنيع غير قليل من خاماتها الدراسية….
ومن عجبٍ أن يجيء نعيُه المفاجئ من بعيد؛ فيكون الناعي الأول هو صديقنا واسيني Waciny Laredj، من باريس، بينما تفصلنا عن المنعِيّ كيلومترات معدودات؛ ونحن أبناء مدينة واحدة، وتجمعنا جامعة واحدة! فلله ما يفعل الكوفيد!
أتاني نعيُه المباغت، وما كدت أصدق لولا صوت الأمين /دياب بعدما استيقن الخبر من مظِنّته /صوتِ زوجة الراحل؛ زميلتنا الدكتورة عليمة قادري التي غصت بدموعها وهي تؤكد النبأ الفظيع!… وحتما كنا من المقصّرين!…
رحل الرجل الشريف الذي كان دوما يربأ بنفسه أن تتلطخ ب(التخلاط) في أمرين اثنين، كما يقول دوما : العلم والدين.
رحل الناقد الذي كان معوّلا عليه؛ مذ وَأدَ المبدعَ في أعماقه، وتخلى عن محاولاته الشعرية والقصصية الأولى، ليتفرغ للمسؤولية النقدية العلمية الجديدة التي قادته إلى السربون؛ حيث كان اللقاء الثوري الحالم مع صاحبة (ثورة اللغة الشعرية)؛ البلغارية المتفرنسة Julia kristeva التي أشرفت على أطروحته لدكتوراه الحلقة الثالثة، و شحنتْه و سحرتْه ب(سيماناليزها)، فعاد إلى بلاده في صورة عرّاب للفكر المنهجي الحداثي (البنيوي والسيميائي) الذي لم تكن جامعتُه الأم مهيأة لاستقباله، في ذلك العهد، فكان الصّدامُ شرّا لا بد منه في حياة رجل مسالم ليس من طبيعة صِدامية في أصله!
ثم كانت الاستراحة الحربية والهدوء النسبي، وكان لا بد من اللوذ بالتراث سبيلا إلى معايشة الحاضر بالماضي؛ فكانت (نظرية النص في النقد المعاصر) و التأصيل لها في التراث العربي ميدانا لدكتوراه الدولة التي لم يجد أفضلَ مشرف عليها من عالم خبير جمع بين الحسنيين كعبد الملك مرتاض الذي غاب عن اليوم المشهود (يوم المناقشة)، وترك طالبَه يخوض حربا بمفرده؛ حينا مع رفيق دربه رشيد بن مالك (وقد صار مناقشا له)، وأحيانا كثيرة أخرى مع أستاذه اللدود المرحوم عمار زعموش، وقد خرجت المعركة عن حدودها، حتى وجد رئيسُ اللجنة (واسيني الأعرج) نفسَه مجبرا على التدخل كل حين لتهدئة الأجواء وإعادة التذكير بقواعد اللعبة العلمية!…
ولولا حكمة واسيني لانتهت المنازلة، بتوقيف من الحكم، ودون فائز!…
لعل ذلك اليوم الاستثنائي كان سببا في انعزال المرحوم عن مشاهد (الفرجة) العلمية، والنأي بنفسه عن مظاهر الضجيج والتهريج والاعتداد بالذات، فكانت الكتابة ملاذه الأخير، وإنْ تأخر في نشر كتبه؛ أذكر أنه أهداني كتابه الأول (بنية الخطاب الأدبي)، عام 1994، مصحوبا بإهداء لفظي لطيف (من أستاذ إلى طالبه السابق المجتهد)، ثم أردفه بكلام شفهي يأسف فيه على النشر المتأخر؛ قائلا لي : (كِي شابْ عادْ عنده كتاب)!، وقد كتبتُ عنه عرضا مطولا في جريدة (الحياة) التي كنت أشتغل فيها. ثم نشر : (فضاء المتخيل)، و (سرديات النقد)، و(الظاهرة الشعرية العربية الحضور والغياب)، و(نظرية النص)،… وترجم كتبا أخرى، ثم أخلد إلى الصمت الأبدي!
هل كان يستعجل الرحيل،؛ فلم نقْوَ (أنا وصديقي سليم بوفنداسة) على لفت انتباهه وهو في سيارته، منذ أيام قليلة، و نحن نلوّح له بملء أيدينا؟!
وهل كان يتحسس موته، قبل سنوات قليلة، حين طلب مني هو الناقد أن أعيره كتاب رونان ماكدونالد (موت الناقد)؟!…
هل كان يرهص بوداعه الليلي (وقد حدث ليلة أمس) حين نشر قصيدته (وداع في حدود المساء) في مجلة آمال (سنة 1978، ع 46، ص 101)؟!…
وهل كان يتنبأ بكوفيد اللعين، وقد راوده عن جسده، حين استهل نموذجه القصصي، المنشور ضمن نماذج (آمال) من القصة الجزائرية المعاصرة، بقوله :
” _أنت مريض
_أعلم ذلك جيدا، ولست بحاجة لأن يقال لي بأنني مريض”؟! (ص 149)…
كل الطريق تؤدي إلى الموت؛ فواحسيناه!
اللهم أمطر جَدَثَه بشلال رحمتك، وأسكنه فسيح جناتك يا رباه! وهب لزوجته وبنيه جميل الصبر والسلوان يا رب العالمين! ولا حول ولا قوة إلا بالله!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*