الرئيسية / الرئيسية / طفرات الاخلاق ‘السياسية’ في الجزائر

طفرات الاخلاق ‘السياسية’ في الجزائر

سعيد خطيبي

أسفر استقلال الجزائر عام 1962 عن حرب خفيّة لسنا ندري متى سوف تنتهي، حرب يكاد لا ينجو منها أحد، كلما اعتقدنا أن لهبها سوف يهمد، تزداد ضراوة واتساعاً، حرب يتفادى الجميع تسميّتها، يتغاضون عن النّظر إليها، يديرون لها ظهورهم، متحمّلين شررها في صمت، إنها حرب الأخلاق، ففي كلّ مرحلة من مراحل تاريخ البلد الحديث تطرأ جماعة جديدة، تنسب إلى نفسها محاسن الأخلاق، وترسخها في العقول، ترتقي إلى مقام أعلى وتنظر إلى الآخرين بازدراء، مُعلنة معارك عمن يُخالفها في الرّأي، أو من تظنّ أن أخلاقه ساءت.
عقب الاستقلال مباشرة، وقد صار أحمد بن بلة رئيساً، تفاجأ النّاس وهم يرون رجالاً، بعضهم من الأمن، يسرفون في تعنيف من يُراود الحانات، أو من يُقدم على الشّرب. في تلك الأثناء لم يكن الإسلام السّياسي قد طفا على السّطح، كانت الجزائر تجذّر ساقيها في معسكرها الشّرقي الشّيوعي، كانت تبحث عن مكانة لها ضمن عالم ثالث، لكن جماعة الأخلاق الأولى دشّنت حربها، لم تشغلها القضايا السياسية، أو الاجتماعية أو الثقافية عن المجاهرة بسطوتها، وبات الشّرب من الشّبهات، بل يقتضي عقاباً، في بلد يحتل مكاناً مرموقاً في خريطة الدّول المنتجة للخمور في حوض المتوسط، بل إن الرئيس حينها وقع مرسوماً في هذا الشأن، بدون أن يفصح تماماً عن نواياه، مشرعاً الباب على تأويل واحد، إنها رغبة في أخلقة المجتمع، فصار المواطن المثالي مواطن لا يمدّ يده إلى كحول، لا يهم إن كان سارقاً أو مرتشيا، المهم ألا يعبر حلقه قطرة كحول، هكذا بدأت، قبل حوالي ستين سنة، الجولة الأولى من «حرب أخلاق» سوف تستمر إلى غاية السّاعة.
مع مطلع السّبعينيات، تراجعت جماعة الأخلاق الأولى، فنابت عنها أخرى، لم يعد الخمر من الجرائم، بل بات مباحاً، لكن أخلقة المجتمع لم تتوقّف، وصار المواطن الطّيب من يقرأ ويكتب باللغة العربية، وساير الرّئيس حينها ذلك المنحى، يعدّد الخطابات والتوجيهات، بأخلقة لسان الجزائريين وتليينه وجعله عربياً، مُشهراً في وجوههم حدّ الدستور. انطلقت حملات، في العتمة والنّور، ضدّ اللسان الفرنسي، وتطايرت قوانين في بعض الإدارات تمنع أي مراسلات أو كتابة دون العربية، ووجد النّاس أنفسهم في حيرة من أمرهم، وهم الذين لم يتعلّموا ولم يألفوا سوى لغة المُستعمر القديم. لم يُقابلهم (حزب العربية) بالتي هي أحسن، ولم يعاملهم بمنطق إرشادي، أو لكنة ناصح، بل نزل عليهم بمنطق متسلّط، حتى صار بعض الناس يخجلون من أنهم لا يتقنون العربية.
استمرت تلك المعركة الأخلاقية سنوات، وكي تُميل السلطة الكفّة إلى صالحها سارعت إلى استيراد مدرسين بالعربية، من دول شقيقة، كسبت على الظّاهر تلك المعركة اللغوية، لكنها أجّجت معركة أخرى سوف تندلع في التسعينيات، إلى ذلك الحين، تبلورت جماعة أخلاق أخرى سوف تبشر بميلادها مع بداية الثمانينيات، وتغرز مخالب في كل لسان يُجاهر بالأمازيغية، أو كل شخص يُبادر إلى الدفاع عن المكوّن الأمازيغي في البلد.
عشرية الثمانينيات في الجزائر كانت عشرية قلق هوياتي بامتياز، مرفقاً بحرب أخلاقية في الظلّ، بدأت بخنق الرّبيع البربري، وانتهت بفتح الباب واسعاً أمام الإسلام السياسي، بين التّاريخين لم يعد الجزائري الخلوق، من لا يشرب خمراً أو من يسعى إلى تعلم العربية وإجادتها، بل صار المواطن الخلوق كلّ شخص لا يولي بالاً للأمازيغية، ولا ينخرط في حراكها الثقافي، هكذا تناوبت جماعات الأخلاق على ملء مقامها، تنصرف الواحدة كي تشغل مكانها أخرى، كما إنها كانت عشرية التبرؤ من الإرث الشيوعي، قبل أن ينسحب المجتمع، شيئاً فشيئاً، في غفلة منه، نحو التّخلي عن إرثه الديني الصّوفي، الموروث عن قرون من الزوايا ومن الإسلام المتسامح، إلى إسلام آخر، يبتغي الوصول إلى الحكم وبسط سلطانه، فصارت أخلاق الجزائري نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات محصورة في ثوبه وملمحه، أن يرتدي قميصاً ويعفي لحية، وأن تغطي المرأة كامل بدنها، مع تحبيذ أن يكون غطاءً بلون أسود. لم يعد الجزائري يشعر بكامل مواطنته ولا كامل حقوقه المدنية ما لم يستجب إلى دستور الأخلاق الجديدة. انجرت عن تلك المرحلة عشر سنوات من الدّم، دخلت فيها البلاد ظلمة لم تخرج منه سوى منهكة، بعشرات الآلاف من الضّحايا الأبرياء، قبل أن ندخل ألفية جديدة، بدأت متعثّرة، لم يطل أمرها أن ألحقتنا بعالم جديد، عالم افتراضي على مواقع التواصل الاجتماعي، التي استحالت مقراً للجماعة الحديثة التي تنسب إلى نفسها مكارم الأخلاق، فتحوّل الفيسبوك إلى محكمة، بلغت ذروة عبثها قبل سنوات، حين دعا أحدهم إلى إقامة الحدّ على الروائي كمال داود، فساورنا أن تلك الواقعة ستكون منتهى الصّخب ونهايته، لكن حصل العكس، استمرت محاكمات الأخلاق، فقبل أيام قليلة أدانت إحدى محاكم شرق البلاد المدوّن وليد كشيدة (25 سنة) بثلاث سنوات سجناً، بتهم عديدة، من بينها ما اعتبرته (الإساءة إلى المعلوم من الدين) على خلفية منشورات ساخرة (أو ما يُطلق عليه ميمز) كان يمكن أن ينتهي الأمر إلى هذا الحدّ، وقد نطقت المحكمة بقرارها، لكن محاكمة ثانية انطلقت من بيت جماعة الأخلاق على الفيسبوك، استمسكت فيها فقط بتهمة (المساس بالمعلوم بالدين) وواصلت محاكمة المدوّن، كما لو أن حكماً ثقيلاً بثلاث سنوات سجناً لم يُرضها.
إن تاريخ الجزائر المُعاصر لا يكاد يتحوّل سوى بتحوّل مهام ومعتقدات مدارس الأخلاق، وقد أثبتت الأيام أنها مدارس أخلاق موسمية، فالخمر أضحى مباحاً، في كلّ مكان، لم تتوقّف مصانعه المحلية، ولم يعد المواطن يشعر بعقدة تجاه العربية التي لم تعد ضرّة للفرنسية، كما إن الأمازيغ استعادوا حقّهم اللغوي والهوياتي وتمت دسترة رأس السّنة الأمازيغية، لم يعد المواطن يولي اهتماما إلى لبس ديني ولا المرأة ملزمة بحجب كامل جسدها، ولم يعد يشقّ علينا سوى المدرسة الأخيرة، التي تُحاكم النوايا باسم الدين، كما فعل روّاد مواقع التواصل مع المدوّن وليد كشيد. هل سيأتي يوم نفرق فيه بين الهزل وازدراء الأديان؟ ألا نخلط بينهما، ونسمح لأنفسنا بالتّفكير في شؤون أكثر أهمية ونحترم الحقّ في الرّأي وفي الاختلاف؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*