الرئيسية / اكاديميا / رسالة ٌ إلى مُستبد عربيّ

رسالة ٌ إلى مُستبد عربيّ

أحمد دلباني

1

 

 

 

 

  سيّدي،

 

     أكتبُ إليك هذه الرسالة َ وأنت تشهدُ خريفَ مُلكك وسُلطانك. أكتبُ إليك وأنت تشهدُ يوم دينونتكَ الرَّهيب ونداءاتِ عوالم وادي النسيان السُّفلية. أكتبُ إليك مُباشرة بعد أن كتبتُ، مُطوَّلا، عن نظامكَ وعن فلسفة القوَّة الرَّعناء التي جعلتَ منها مفتاحًا سحريا لإخضاع الرعية وتطويع الشرعية كي تنزلَ من علياءِ الحق وتصبحَ جارية ً في فراش أهوائك ونزواتك. أكتبُ إليك بعدَ أن فرغتُ من قراءةِ كتابٍ لفتَ انتباهي بقوَّته الأخلاقية وهدير إنسانيتهِ العالية وهي تتدفقُ شآبيبَ على صحراء العالم الحديث الذي فقد العلوّ. قرأتُ، سيّدي، ” رسائل إلى صديق ألماني ” لألبير كامو فما لبثتُ أن فكرتُ في الكتابة إليك على مِنواله. ولكن عُذرًا إن لم أرَ فيك صديقا وقد نسفتَ كل الجُسور بينك وبين الحياةِ العربية التي تطلَّع إليها الجميعُ في كنف الكرامة والحُرية والعدالة. عُذرًا إن لم يكن بمقدور هابيل أن يصفحَ هذه المرَّة. لقد كتب كامو رسائلهُ الشهيرة إلى صَاحب الفكر النازيِّ البربريّ قبيل انتهاءِ الحرب العالمية الثانية، وأوروبا مُنهكة من مُغامراتها في تجربةِ القوَّةِ وجُنون التدمير والفتح بعدَ أن أفاق العالمُ الغربيُّ على خواءِ السَّماء وأفول التعالي الذي كان يضمنُ عصمة القيم. ولكنَّ أكثرَ ما أسَرني في هذه الرسائل، كما أشرتُ، هُو حساسيَّة صاحبها الأخلاقية العالية، وهُو يَنشدُ بحُرقةٍ الحرية َ والعدالة وسط حُطام المعنى وتعبِ القلب الإنسانيّ من نزق الحضارة. أعتقدُ أن ما يشدُّني، سيّدي، في كامو هُو، تحديدًا، ما ظل يقضّ مضجعك منذ بوَّأك كابوسُ التاريخ المُعاصر عرشَ خيباتنا ومآسينا: ظمأ ٌ لا تخبُو جذوتهُ إلى الحُرية والعدالة، ونفورٌ من كل ما يسحقُ الإنسانَ حتى لو استندَ إلى منطق الثورة التاريخية. فأما الثورة فقد جرَّبناها معك، سيّدي، وعرفنا أنها لم تكن إلا حاكميَّة أخرى خلعت على التاريخ جُبة مُقدَّسة وفوَّضتهُ كي يكونَ سجَّانا باسم التقدم. لم تكن ثوراتك تحريرًا وإنما ترويضا للقطيع على الطاعة وعلى ترديدِ غنائية إنجازاتك في القمع وفي تحويل المُجتمع إلى مُحتشدٍ من المحكوم عليهم بالتشابه. لم تكن ثوراتك عِتقا لصبواتِ الإنسان العربيِّ وطاقاتهِ الإبداعيَّة بقدر ما كانت لجمًا لصهيل الذات التي ادَّعيت، مِرارًا، أنك تعملُ من أجل تقدّمها وتحريرها.

 

     وأمَّا الحُرية والعدالة فلا أستطيعُ أن أتحدَّث عنهُما لأنهما سقطتا من قامُوس سياستكَ منذ حرَّرتَ ماردَ الطغيان القديم من قمقمه. رُبما اعتقدنا، مُطوَّلا، أننا ندخلُ معكَ التاريخ ونهجرُ زمنَ الاغترابِ في آلة القوة العمياء. رُبما اعتقدنا أننا أصبحنا أصدقاءَ الأرض والإنسان وصارَ بإمكاننا أن نفجّرَ ينابيعَ المعنى الذي يُشبهنا من صخرة الحياةِ الجديدة. رُبما أخذتنا العِزة بأكثر الآثام سحرًا: أن نشهدَ زمن الإنسان المُتأله وخالق المعنى والجدارة في سَديم الغبار الكونيّ. ولكن هيهات سيّدي. فقد كنتَ لنا بالمرصاد كهاويةٍ تبتلعُ أشواقنا التي لا توصفُ إلى الانعتاق من حمأةِ الماضي؛ وكنتَ تفاحة الغواية التي أسقطتنا من جنة الحلم إلى جحيم الاستبداد منذ مددنا أيدينا إليها بالتحيّة والتأييد.

2

 

     سيّدي،

     من المُحيط إلى المُحيط امتدَّ ظلك. ومن الصحراء إلى الصحراء تطاولَ صولجانك. وتحت ظل سَوطك نبتت في حياتنا شجرة الخوف والذلة. كان علينا ونحنُ نرتعُ في فردوسك أن نقتُلَ فينا شيطان الشهوة إلى ما يجعلُ الإنسانَ إنسانا. كان علينا أن نشنقَ الشبقَ الطبيعيّ إلى الحرية وأن نزجرَ وسواسَ اللعب الكيانيّ الأبهى الذي نسمّيه الإبداع. كان علينا أن نتفيَّأ ظلالَ رحمتك القاسيةِ التي وسِعت كلَّ شيءٍ وأن لا نقرب شجرة المُغامرة بطرح سُؤال الجدوى والمصير تحتَ سقفِ جنتك الموعودةِ للطائعين. كان علينا أن لا نثورَ وأن نلعن إبليسَ التطلّع الذي علم الإنسانَ ما لم يعلم من أمر الخروج واستراق السَّمع إلى هدير التاريخ وهُو يتمرَّدُ على الآلهة ويُحرّرُ الأرض. كان علينا، أيضا، أن لا نعرفَ شيئا عن فاوست ومُغامراته.

 

     وشهدنا معك مسرحَ القسوة الفعليّ: كانت الأرضُ تئنُّ تحت سوطِ لاهُوتك السياسيّ وقد جعلتهُ لغة ً أولى وتنزيلا لا يأتيهِ الباطل. وكانت حياتنا مليئة ً بمشانقَ تتدلّى منها أحلامٌ صغيرة وُلدت من نزق البحث عن المعنى خارجَ أسفارك المُقدَّسة. رأينا كيف تُسفحُ الكرامة ُ البشريَّة وأنت ترجُو أن يكونَ الإنسانُ عبدًا مُتطهّرًا من خطيئة التمرُّد على الظلم والطغيان. أردت أن تجعل من حُكمك طريقا إلى جنةٍ قيل إنك الوحيدُ العارف بأسرارها وكنوز خيراتها. رأيتَ في المُفكر والمُثقفِ النقديِّ أفاعيَ يجبُ طردُها من فردوسك قبل أن تغويَ الطائعين المُسبِّحين بحمدك. كنت، سيّدي، مأخوذا بالآلهة ومسكونا بشبق لا يرتوي إلى الواحدية والاستبداد فيما ظللتَ تدَّعي الثورة وتحريرَ الشعب. اخترتَ أن تكونَ فعَّالا لما تريدُ، ولم تدرك أنّ الثورة انتصارٌ على زمن الآلهة وعلى سَحق الإنسان باسم المُطلق. لم تدرك أن الثورة إيقاظ ٌ لكوكب الإنسان النائم في غابةِ التاريخ كأمير أسطوريّ.

 

     ظلت تتناسلُ فيك وجُوه نيرُون وكاليغولا والحجَّاج. لم تحبَّ روما يوما ولم تحبَّ الإنسان. كنت الباحثَ الدائم عن ينابيع خفيةٍ تمنحك الترياق السّحريّ الذي يُحوّلُ الأيامَ إلى تماثيلَ يعلوها الصَّدأ في مفازة الزمن. وكنت تتحرَّقُ شوقا إلى معرفة أسرار قدرةِ سيرسه على تحويل البشر إلى خنازير. هكذا كانت سياستك. كأنك كنت تطمحُ إلى أن تسُودَ على عرش الهباء. لم يكن هيكلك المُقدَّسُ يحتملُ صخبَ العالم أو حفيفَ أشجار الحلم البرية أو نشيدَ الطيور المُهاجرة. لم تحبَّ الحركة ولم تعترف يوما ببصيرةِ هيراقليطس وهُو يشرحُ لك عدمَ قدرتك على أن تستحمَّ في النهر ذاتهِ مرَّتين. أحببتَ المُطلقَ ولم تحبَّ التاريخ. اخترتَ أن تكونَ إلهًا بعدَ أن بشَّرتَ بالثورة والخروج من شرنقةِ الأب الرمزيّ ووصاياه. لم نكن نعلمُ أنَّ تحت خوذتك العسكريَّةِ طحلبًا يشي بمجيئك من الماضي الأمبراطوريّ وبسُقوطك من عرش الآلهة الآفلة. أنت آخرُ إلهٍ أيها الحاكمُ العربيّ وقد أزفت ساعتك الوشيكة. لقد حكمَ عليك التاريخ بالسُّقوط في جبَّانةٍ مهيّأةٍ لمن اغتالوا الحياة ونتفوا ريشَ عصافير الأحلام. سوف ننسى أمجادك التي قدَّمتَ بها طبعة ً مزيدة ومُنقحة من أمجادِ أسلافك وقد فرشوا خِوانهُم على الجَماجم وصنعوا من عظام الأطفال أساورَ لعشيقاتهم. سوف ننسى أنك كنت بيننا نبيًّا دجَّالا لم يعرف كيف يكتبُ سيرة الإنسان على جداريَّة الزمن.

 

3

 

     سيّدي،

 

     اعتقدنا أنَّ مدينة الإنسان حلَّت بمقدمك وأنَّ الثورة ستكنسُ بقايا مدينة الله التي تفننت في إنتاج الاغتراب وفي جعل الحُريّة حمامة ً ذبيحة ً في مشهدٍ رُومانيّ الإخراج يهتفُ بدوام تاج السّماء وسيفها المُسلط. اعتقدنا أن مُتحف الأيام الخالية سيضمُّ إليه، أخيرًا، أخبارَ الإكليروس العربيّ. ولكن هيهات. لقد تكاثرت معك الجثثُ في الساحاتِ العامَّة؛ وكنا نرى كلَّ يوم كيف يستعيدُ جندك المُعاصرون فضائلَ المُستتيب القديم. ادّعيت أنك تهجرُ مخدعَ المُقدَّس وتحتضنُ التاريخ وزمن الصَّيرورة مُؤمنا بالتقدُّم، ولكن سُرعانَ ما اشتقتَ إلى سيف آبائك الذين صنعُوا من جَماجم البشر كؤوسًا تشربُ فيها خمرة المجد. ادَّعيت انتفاضتك من أجل العدالةِ ولم تعمل إلا على المُساواة بين نعاج القطيع. كنتَ راعيا تسهرُ على ترسيخ قيم الخضوع وتذكّرُ النعاج الضالة بمصيرها المحتوم على يدِ أعوانك من زبانيةِ القمع. قرأتَ فينا كتاب الحرية والانعتاق ولكنك اجتهدت في تعليمنا كيف نلعنُ بروميثيوس كي نكونَ من ملائكتك المُقرَّبين.

 

     من أنت أيُّها الفينيقُ الأسودُ الملعونُ الذي خرجَ من رماد الماضي بكلّ ما حفلَ به من صنوفِ سَحق الإنسان؟ من أنت أيُّها الفاتحُ الحديثُ الذي ظلَّ مسكونا بزمن الذين جعلوا من قتل الإنسان فتحًا ومن السُّؤال ثمرة ً ملعونة في شجرة الحضارة؟ كيف تسنَّى لك أن تتسلّلَ إلى حياتنا ونحنُ نتأهبُّ لمُعانقة خيوطِ الفجر الأولى خارج مؤسَّسةِ التاريخ القمعيّ؟ كيف استطعتَ أن تدخلَ بَهوَ وجُودنا وأن تخدعنا بأقنعةٍ جعلتنا نعتقدُ أننا نخرجُ، معكَ، إلى فضاءِ المُغامرةِ بعيدًا عن مهدِ طفولتنا الخانعةِ البائسةِ في بيت الجبلاوي؟ كيف استطعت بنبرةِ السَّاحر أن تجعلَنا نرى ملحَ البُؤس خبزًا في فم الجياع وأن نتخيَّلَ السَّلاسلَ التي على رقابنا أطواقا من الياسمين؟ ثم كيف أوهمتنا أنك تصنعُ من الجُلجلة علوًّا ومجدًا للإنسان؟ لقد كنتَ مُخاتلا وأنت تدخلُ مدينة الإنسان كحصان طروادة حاملا إليها هديَّة السّماء وانتقامَها في لبُوس دنيويّ.

 

     أنت التنينُ الذي انتصبَ في طريق المُسافر العربيِّ برأسيْهِ: العسكريّ والمُعمَّم. فأمَّا العسكريُّ فيك فقد مثلَ الاستبدادَ والواحديّة الفكريَّة والسياسيّة، وجسَّد بصورةٍ لا تحتملُ مغامراتِ دون كيشوت في عالم هجرَ تقاليدَ الفروسيَّة. كنتَ كمن يُريدُ أن يجعلَ التاريخ مسرحًا لبطُولةٍ فقدت وهجَها منذ أفاقت طلائعُ أزاهير الحريَّة على قبر الأمبراطور الخائب. وأمَّا المُعمَّمُ فيك فقد جسَّد الرّيبة من الناسُوت والخوفَ من مُغامرة العقل، وطفقَ يخصفُ على جسَدِ الحاضر وأسئلتهِ من ورق شجرةِ الماضي ومُؤسَّساتهِ التي أرادها حارسة ً لمدينةِ الله المتآكلة. ظل المُعمَّمُ فيك أبًا لا يموتُ ولا تنقضي عجائبهُ في وصف إكسير يضمنُ سيادة البداية المُقدَّسة ويضمنُ إدانة كلِّ جديدٍ في الفكر والحياة. انتصبتَ بيننا وبين العالم الجديدِ وأجهزتَ على وديعةِ الأمل فينا. لقد كنت قاطعَ طريق أيها التنينُ.

4

 

     سيّدي،

     سنقولُ، إنصافا، إنك لم تكن شجرة ً غريبة ً تطلعُ في أرضنا التي تعوَّدت على ثمر النكسةِ الفجّ من أيام هُولاكو وتيمورلنك إلى أيام من ابتكرُوا المطبعة والآلة البُخاريَّة وزاوجُوا بين المعرفة والقوَّة. لقد ظللنا نحتفي بمقدمِك ونراكَ مُتوَّجا بسيف الخلاص منذ وَأدنا ابن رشد وكتبنا عن تهافتِ البحث الحُرّ عن المعنى، ومنذ بدأنا نبني الحصُونَ من أجل حمايةِ مدينة الله بإصلاح الرَّعية وكبح جماح العقل الذي كان ينبوعًا للفتنة والزيغ. لم تكن شجرتك غريبة ً عن هوسِنا الذي يقفُ على أرض الخيبة التاريخية. ولكنَّ الأزمنة الحديثة التي اعتقدنا أنها تحملُ الكثيرَ معك ومع مشاريعك لم تكن أقلَّ خيبة ً وأنت تبعثُ من رمادِ العُصور ماردَ الاستبدادِ والماضويَّة في جبة دنيوية. ظلت الأرضُ تحت حُكمك تخضعُ للمعنى الذي وفرَهُ الغزاة ُ الغربيُّون وهم يُحيلون الأسلافَ الشرقيين إلى مُتحف التاريخ. ظل الإنسانُ عبدًا للكلام الإيديولوجيّ الأول وجرمًا صغيرًا يدورُ في فلك تعاليمك السّامية. لم تكن الدولة ُ عِندكَ نظامًا جديدًا يربطُ بيننا برباط المُواطنة الفعليَّة والمُساواة القانونيَّة، وإنما إعادة ترتيبٍ لعلاقات القوة القبَليَّة والطائفيَّة. لم يكن بيننا عقدٌ اجتماعيٌّ وشرعيَّة ٌ مدنية للسلطة، وإنما وصاية ٌ بوَّأتك مكانا عليًّا في نظام الآلهة الأرضية. لم تكن يومًا ما حديثا سيّدي.

 

     لم يكن الفكرُ عندك رؤية ً ومشرُوعا إنسانيا وإنما قناعًا تؤدّي به الدّور على مسرح العالم الحديثِ الذي دخلتهُ مُرغما. لقد تمَّ على يديك الزجُّ بحياتنا في طوفان الاستهلاك الذي غمرَ باديتنا وجعلها تنزلقُ على سطح العالم وتغتربُ بين بريق الأشياءِ وصدأ الكلمات العتيقة؛ وتمَّ الزجُّ بنا في عيد الشعارات التي استعادت الفخريّاتِ القديمة في نبرةٍ قومية واشتراكيّة حديثة. كان الإنسانُ يتآكلُ ويُدجَّنُ ويُضطهدُ باسم التحديث الذي لم تمتلك أبجديّاتهِ العقلية والإنسانية. وكانت الحياة تضيقُ بقدر ما تتسعُ دائرة وُعودِك الفارغة.

 

     فتنتك كلمة لويس الرَّابع عشر: ” أنا الدَّولة “، فأردتَ أن تستعيدهَا في زمن أصبحَ من الواضح أنهُ يمجُّها وينبذها. تقنَّعتَ بالشبق إلى الوحدةِ كي تخفيَ ريبتك من التعدُد والاختلاف. تقنّعت بدعواتك إلى أن نكونَ بنيانا مرصُوصًا في مُواجهة الخارج كي تُشرّعَ لقمع من يرى رأيًا يُخالفك في الشأن العام ولو كان على بصيرة. تقنَّعتَ بفكر ظل ينهلُ من ينابيع الخوفِ الأزليّ من الفوضى والفتنة كي تجعلَ أمنكَ الخاصّ فلسفة ً للدولة. كنتَ عدوًّا للحرية ولازدهار الإنسان العربيّ. وضعتَ على تاج الحُكم أيقونة السّوط مكان الحق والعدل، وصُورة البازي مكانَ غصن الزيتون. جعلتَ من العربيّ إنسانًا خانعا خائفا مسحُوقا في عالم أصبحَ حلبة ً للصّراع من أجل الهيمنةِ بالعلم والإبداع واقتحام المجهُول. كان الأجدر بالنَّحاتِ العظيم رودان أن يستوحيَ فكرة ” بوَّابة الجَحيم ” من سُجونك ومراكزك الأمنيّة لا من كوميديا دانتي الإلهية. لقد دشّنتَ عهدَ الإنسان العربيّ الصغير فيما كنتَ تدّعي أنك مسكونٌ بيُوتوبيا الوطن العربيّ الكبير. ولكن ” من أين للوطن أن يكون كبيرًا بإنسان صغير؟ ” ( أدونيس ).

 

     وها هيَ النتيجة ُسيّدي: بدأ يتهدَّمُ عليك المعبدُ وترتجُّ الأرض تحت قدميك، فكنت تلجأ خائبًا إلى الكفر بأسفار الحداثةِ والتقدُّم مُستجديًا مناعة الطائفةِ والقبيلة والعشيرة كي تجيرَك وتشدَّ عضدك في مُواجهةِ مكر التاريخ. وكنت تستجيرُ بالإكليروس العربيّ وتعقدُ قرانك المُقدَّس على الأبديَّة في مُواجهة فشلك الذريع في الدَّنيوة وفي التحديث وفي احترام حُقوق الإنسان. كنتَ ظاهرة ً شِبهَ فريدة في تاريخ الحكم لا مرجعيَّة لها إلا الغريزة. كأنك حفظت جيّدًا درسَ ميكيافلي: على الأمير أن يتحلَّى بفضيلتي الأسدِ والثعلب، الغلبةِ والمُراوغة. أو، إن شئتَ، رجعتَ إلى مُعجمك وقلت: على الحاكم العربيِّ أن يتقلَّدَ سيفَ مسرُور ويُحسنَ استلهام شعرة مُعاوية. وكان هاجسُك الأمنيُّ يُملي عليك ضرورة َ القمع في غياب الشرعيَّة الديمقراطية. لم تدرك يومًا أن الحداثة السياسيَّة قانونٌ ومُؤسَّساتٌ وسيادة شعبية وليست بطولة أو مجدًا يقفُ على عبادةِ الواحد، ويستثمرُ في أحلام المسحُوقين المأخوذين بعصر ذهبيّ يملأ الأرضَ عدلا منذ دخلت حياتنا العربيَّة ُ عصرَها المُظلم. وفي كلمةٍ: لم تكن يوما ما حديثا أيُّها المُستبدُّ وها هيَ النتيجة: لم يعُد لك مكانٌ بيننا سيّدي.

 

5

 

     ما هذا العقلُ السياسيّ الذي كان ينبوعًا لفيض عطاياك في الاستبدادِ والقمع والإدانةِ والتخوين والاستئثار بالمعنى؟ ما هذا العقلُ الذي ظِلتَ تسرقُ به الشرعيَّة من الشعب والقانون وتؤسّسُها على ملاحِمك التي لا تنتهي في الحرب على العقل والإنسان والحرية؟ ما هذا العقلُ الذي ظل يتفجرُ غيظا ضدَّ الحياةِ وضدَّ صَبواتها العميقةِ إلى جمع الأصداف الغريبةِ من شاطئ المعنى؟ ما الجرثومة ُ التي سكنتهُ وجعلتهُ عبدًا للواحديَّة والتوق إلى زمن كانت فيه الحياة أمَة ً وخادمة ً في المعبدِ المُقدَّس؟ ما هذا العقلُ السياسيّ الذي لم يستبشر بمقدم زمن الإنسان وبقي مسكونا بنوستالجيا زمن الوصايا وهزيم الصَّولجان العالي؟ لقد ظل عقلك السياسيّ رمالا مُتحرّكة ً في حياتنا تبتلعُ تطلّعاتِنا وتخنقُ أحلامنا وتلجمُ هديرَ حفنةِ الرُّوح الأخيرةِ فينا. لقد كنتَ امتدادًا لكُلّ ما كان يجبُ أن يموت. كنتَ امتدادًا للأب الذي هتفت الحداثة ُ الظافرة بموتهِ انتصارًا للإنسان واحتفاءً بميلادِه. كنتَ امتدادًا للحاكم بأمر السَّطوة والفتك، ولفتوى ابن الصَّلاح الذي أوجبَ رميَ عذارى الأفكار في نهر المَوت كي تحلَّ البركة على المدينة. من أجل ذلك نقولُ عاليًا: إنا ننتظرُ موتك، سيّدي، كي تخرجَ حياتنا من مشهدِها الأخير في مسرحيَّة ماكبث ومن الصّخب والعنف اللَّذيْن ِ لازمَا جُنونك. إنا ننتظرُ موتك لحظة يأسِك الإلهيّ من تكاثر سُلالةِ بروميثيوس. إنا ننتظرُ موتك،  فقد ملَّ ديُوجين العربيّ من التجوّل في الساحات العامَّة حاملاً مصباحهُ – في رابعةِ النهار- بحثا عن شمسِنا الأخرى الغائبةِ: الحرية والكرامة.

 

     كان يلزمُنا عقلٌ جديدٌ وفلسفة ٌ تضعُ الإنسانَ في قلبِ دائرةِ القيم. كان يلزمُنا عقلٌ يسترقُ السّمعَ إلى حفيفِ دوحةِ الأسرار في ليل العالم ويخرجُ من شرنقةِ المعنى الشائخ. كان يلزمُنا عقلٌ يفتتحُ عهدَ طفولةِ الكيان، أيُّها البطريرك الأخير، كي نحتضنَ وجيبَ الصَّيرورةِ ونعتقَ الآتي من أسر البداياتِ التي نصَّبتك علينا ومنحتكَ مشرُوعيَّة ترويضنا. كان يلزمُنا عقلٌ جديدٌ وترميز جديد للعالم يفتتحُ في دُخيلاءِ الوعي فجرًا غريبًا، ويَستنبتُ في أفق الحياةِ ثمرًا عجائبيًّا يمنحُ الخطيئة لذة السُّقوطِ في منافي الحرية. كان يلزمُنا هجرانُ بيتِ الطاعة وتحريرُ الكلمةِ من مهنةِ البغيّ التي ورَّطتها فيها منذ جعلتَ الثقافة مديحًا والفكرَ خادمًا عند الكهرمان. كان علينا أن نوسّعَ هامشَ المعنى خارجَ متنِكَ، وأن نعلّمهُ فضائلَ الصَّعاليك والنسُّور التي ترتادُ الأعالي وتشربُ من خمرةِ الشمس.

 

6

 

     سيّدي،

     لقد نعبَ غرابُ البين على عرشك. لذا، سأكتبُ إليك مثلما كتبَ كامي في بدايةِ رسالتهِ الرّابعةِ والأخيرة إلى صديقهِ الألماني الذي جسَّد الفكرَ النازي الآفل أواخر 1944 قائلا: ” ها نحنُ نشهدُ مَجيءَ زمن هزيمتِك! “. سيكونُ الانتصارُ على عَهدِك انتصارًا على تاريخ عربيّ كسيح وعلى ثقافةٍ انحازت، طويلا، إلى الآلهةِ السّادية وقتلت في أوليس العربيّ شبقَ المُغامرة والرِّحلةِ الدَّائمة إلى مدينةِ الإنسان.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*