الرئيسية / اكاديميا / الحصاد المر: الفشل المستدام

الحصاد المر: الفشل المستدام

السعيد لوصيف

 

تبقى الجزائر شديدة التبعية للمحروقات، بالرغم من الخطاب الرسمي الذي ظل يسوّق لفكرة التنويع في الاقتصاد منذ ما يقارب ثلاثة عقود، من دون أن نلمس لهذا الخطاب الشعبوي امتدادا على أرض الواقع. وقد كان لهذه التبعية نتائج سلبية عديدة، كان من أخطرها أن الريع الاقتصادي رهن مستقبل مجتمع بأكمله، وأنتج نظاما زبائنيا طفيليا كبح تطوّر أنشطة اقتصادية حديثة وغيّب منذ الاستقلال ظهور دولة المؤسسات.

إنّ النسق الاجتماعي التقليدي غير مبرمج أصلا للبحث عن النجاح، بل على العكس من ذلك نجد فيه البرمجة الثقافية للأفراد غالبا ما تكون موجّهة نحو تكريس الفشل واعتماده كآلية عطالة وإعادة إنتاج ذاته؛ فالإفشال والفشل في سياق النسق الاجتماعي التقليدي هما القاعدة، والإنجاح والنجاح هما الاستثناء. وعليه، يظهر أنّ حالة الفشل في المنظمات والمؤسسات التي رهن مستقبلها النظام الاجتماعي التقليدي، هي ليست نتيجة محتملة لإرادة اختيارية للنجاح، وإنّما نتيجة قطعية لإرادة اختيارية للإفشال.

وعلى أية حال، فإنّ لهذه الوضعية في المجتمع الجزائري محدّداتها النفسية الاجتماعية، تتمثل أهمّها في هشاشة الإنسان الجزائري وتعلّقه المفرط بالأم المغذّيـة (mère nourricière) أو بصورتها وقلق الانفصال عنها، عبر كلّ مراحل سيرورة التنشئة الاجتماعية. وعليه، فإنّ استقرار النظام السياسي الظاهر في الدول الريعية الأوتوقراطية، لا ينبغي فهمه -في اعتقادنا-كنتاج للقهر والردع البوليسي والمخابراتي فحسب -وإن كان هذا العامل صحيحا-، وإنّما ينبغي التساؤل عنه والبحث في جذوره النفسية الاجتماعية أيضا، وبخاصة تلك المرتبطة بالحماية الشاذة التي يضمنها النسق الاجتماعي التقليدي عن طريق توزيع الريع، بنفس الكيفية التي يتعلّق بها الجزائري بالأم المغذية وتعلّقه بها أو بصورتها، وتمسّكه بحمايتها ورعايتها إلى سنوات متأخرة من عمره.

إنّ تحقيق استقرار في الاقتصاد الكلّي والاعتقاد سذاجة أنّه العامل الحاسم في تحقيق النمو، لا يعدو أن يكون إلاّ وهما مزيّفا؛ إذ أنّ وجود مثل هذا الاستقرار في ظلّ غياب شبه مطلق لمؤسسات سياسية واجتماعية حديثة وشرعية كنتاج لديناميكيات وتحولات مجتمعية واعية، لا يمكن أن يؤسّس للإبداع والنمو المستدام، بل من شأنه في ظلّ غياب هذا الشرط، أن يستخدم في تدعيم الأنشطة الريعية وتقوية سلطة زبانية النظام الريعي ورموز النسق الاجتماعي التقليدي.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*