الرئيسية / الرئيسية / الثقافة موطئ أقدام الساسة: إستراتيجية “ياأيها النمل ادخلوا مساكنكم”

الثقافة موطئ أقدام الساسة: إستراتيجية “ياأيها النمل ادخلوا مساكنكم”

عاشور فني

 

 

 

 

 

ما أن تذكر الثقافة في الجزائر حتى تتبادر إلى الذهن هواجس السياسة. لم تكن الثقافة مستقلة عن السياسة يوما. بل أزعم أن الثقافة هي أصل كل سياسة في الجزائر. ومع ذلك تجد الساسة من أكثر الناس عداء للثقافة وتجد المثقفين من أكثر الناس عداء للساسة. وبين هذين الحدين تظهر الوظيفة الحقيقية للثقافة في التاريخ الجزائري: مجرد موطئ قدم للساسة. وقد كنت معجبا بالمثقفين الجزائريين الكبار وهم يقفون وقفة الند للند مع السياسيين الكبار في الحركة الوطنية أو أثناء الثورة وبداية الاستقلال. لكن الوضع غير الوضع الآن. أصبحت السياسة مصدرا من مصادر الإثراء غير المشروع ووسيلة لتعميم الفساد وأصبحت “الثقافة” سبيلا للتسلق السياسي للوصول إلى المنصب غير المستحق أو الحظوة لدى من لا يحترم الثقافة ولا السياسة. بل نحن اليوم أمام مشهد جديد: فأول ما يبادر به السياسيون هو التدرب على التعامل مع الوسط الثقافي ومحاولة تطويعه لأغراضهم. فإذا استقامت لهم “النخبة” سهل أمر العامة. فالساسة يميلون إلى اعتبار الثقافة موطئ قدم للانقضاض على خصومهم السياسيين ليس أكثر. ليس للثقافة في حد ذاتها قيمة عندهم.

ما زلنا نناضل لافتكاك مساحة من تحت أقدام السياسيين والعسكريين نمارس فيها الثقافة بعيدا عن عنتريات الأميين. ..لكن هيهات…
ولنكن صرحاء: هؤلاء السياسيون الجدد وجدوا في خدمة مشروعهم نخبة من “المثقفين” المهيكلين أعادونا إلى المربع الأول. يأتمرون بأمره فيظهرون بأمر ويختفون بأمر. يفتحون أشداقهم أو يغلقونها بأمر.يرفعون أقلامهم أو يضعونها بأمر . بل يستبقون للوقوف بين أيدي المسؤولين “محزمين مرزمين مسنترين مبنترين”. منهم من يبندر ومنهم من يرقص. مهمتهم هيكلة نمل الثقافة: “أيها النمل ادخلوا مساكنكم… لا يحطمنكم سليمان وجنوده”. تلك إستراتيجية جديدة قديمة. كانت مهمة اتحاد الكتاب “تعبئة وتجنيد النخبة” تحت قيادة الحزب. باعتبار اتحاد الكتاب منظمة جماهيرية. بعد أحداث 5 أكتوبر 1988 تم تخريب مقر الاتحاد. وجد الدكتور الواسيني وطلابه بجامعة الجزائر تقارير كتبها أدباء عن تحركات زملائهم مرفوعة إلى جهات خارج الاتحاد. أعرف أن بعضهم احتفظ بتلك التقارير الشنيعة. كانت صدمتنا كبيرة…

فلاش باك…
حين فتحنا أعيينا على المناقشات الثقافية في بداية الثمانينيات من القرن الماضي كانت كل النقاشات مسيسة إلى درجة أنه لا يمكنك تناول أي موضوع دون أن تعرج على السياسة العامة. كان هناك نص إيديولوجي يوجه كل شيء: الميثاق الوطني. من لم يكن متفقا مع الخط العام كان مصيره التهميش. كثير من المثقفين الكبار فضلوا الصمت أو أرغموا عليه. كانت “قضايا الأمة” هي المهيمنة. قضايا يديرها سياسيون أميون بمساعدة مثقفين حزبيين. 
كان جيل السبعينيات قد فرض نفسه بالقوة : نشاط حثيث ودعوة لتبني الأطروحات السائدة : الحداثة في المجال الأدبي والوطنية في المجال الثقافي والاشتراكية في المجال السياسي عموما(عن اقتناع إيديولوجي أو من باب الاستقواء بالسياسي على الجيل السابق؟) كانت الساحة الثقافية مهيكلة تماما: مهرجان القصة والشعر والأدب والمسرح. كلها من تنظيم اتحاد الكتاب تحت غطاء الحزب. اتحاد الكتاب وقاعة الموقار والأقسام الأدبية في الصحف اليومية أو مجلة آمال والمجاهد أو بعض حصص الإذاعة. كلها يشرف عليها مناضلون في الحزب بحكم المادة 121 من القانون الأساسي للحزب المشهورة. انتقاء المتحدثين يتم وفقا لمواقفهم من قضايا المرحلة. 
في مقابلة  صحفية مطولة لمستشار الرئيس زروال الجنرال محمد بتشين بعد استقالته قال إنه استطاع أن يكوّن فئة من المثقفين الجدد الذي أصبحوا يؤطرون الثقافة وقادوا الساحة الثقافية خلال العقد الأخير. ويحيل محاوره على قائمة الأسماء التي تم تكوينها .كان ذلك بمثابة اول غعلان عن تحويل الإشراف على الثقافة والإعلام من جهاز الحزب إلى جهاز المخابرات. ومر الزمن…
بعد استفتاء الوئام المدني صرح قائد الأركان السابق المرحوم الفريق محمد العماري أن الإرهاب “تم دحره عسكريا لكنه ما يزال مؤذيا على المستوى الإيديولوجي والثقافي والإعلامي”.

كان ذلك أول نقد حقيقي وجذري لسياسة المخابرات في المجال الثقافي.. كان نقدا لمشروع الجنرال محمد بتشين في المجال الثقافي منذ نهاية الثمانينيات حين سحبت مهمة الإشراف على النخبة من الحزب وأسندت إلى المخابرات.
أما الآن فإن القضايا التي يثيرها” المثقفون الجزائريون” الجدد على عجل ثم يختفون عن الأنظار توحي بأن هناك إستراتيجية جديدة تماما في هذا المجال. أو قديمة تماما. إنها إستراتيجية ” يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده”…
السؤال الذي نطرحه بوضوح على وقع التغييرات التي تجري في ظل إعادة هيكلة الساحة السياسية والثقافية والأمنية في بلادنا : مادام العمل الذي أطرته الأجهزة منذ نهاية الثمانينيات في المجال الثقافي لم يكن في مستوى طموح القيادة (القيادة السياسية أم قيادة الأركان حسب تصريح المرحوم الفريق محمد العماري؟) ألا تستحق تلك السياسة مراجعة وتقييما جذريين؟ إلى متى يكون الهاجس الأمني هو الهاجس الأول في إدارة الشأن الثقافي؟ وإذا كانت “الثورة أخطر من أن تترك بين العسكريين” كما قال المرحوم عبان رمضان فهل “الثقافة قضية إستراتيجية أكبر من أن تترك بين المثقفين”؟
وإذا كانت فئة “المثقفين “التي كلفت بإدارة الشأن الثقافي خلال العشريتين السابقتين قد آلت إلى الفشل الذريع فهل ستستمر تلك السياسة ؟ فكيف ستكون الأوضاع بعد عشريتين من الآن؟
ما زالت النملة تعمل جاهدة على هيكلة نمل الثقافة. وما زال سليمان وجنوده يمرون. مازال وقع الأحذية يفسد النقاش.

 

 

 

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*