الرئيسية / الرئيسية / الإنسان أشكل عليه الإنسان، من التوحيدي إلى أركون

الإنسان أشكل عليه الإنسان، من التوحيدي إلى أركون

د.فارح مسرحي

جامعة باتنة-الجزائر
كثيرا ما تحدث أركون عن إعجابه الكبير بأبي حيان التوحيدي، بل يذهب في إحدى حواراته إلى أنه لم يتأثر بأي مفكر مثلما تأثر بالتوحيدي، فهو يصفه بالأب والأخ التوأم والأخ في الفكر والروح…، غير أن هذا التأثر لا يعني استعادة أفكاره أو بعثها، بل هو تأثر بالصورة أو الشكل لا المضمون، يقول في ذلك:” هكذا تري أني قد سميت لك في نهاية المطاف اسم شخص أثر علي (ليس كعلم، كمعلومات) وإنما كنموذج وكقدرة”، فما جعل أركون يحب التوحيدي ويتضامن معه وينخرط في خطه هو نزعة التمرد وإرادة المعرفة والجرأة في السؤال والأهم من ذلك كله الدفاع عن الإنسان، وكثيرا ما ردد عبارته العميقة والخصبة؛ “الإنسان أشكل عليه الإنسان” التي ختم بها التوحيدي إحدى مسائله في الكتاب المشترك بينه وبين مسكويه “الهوامل والشوامل”، نفس العنوان وضعه أركون لأحد كتبه الصادر قبيل وفاته عام 2010، “الهوامل والشوامل: حول الإسلام المعاصر”.
يشترك الكتابان في كونهما عبارة عن محاورة أو مقابلة؛ أسئلة وأجوبة، ويختلفان في الغرض من المحاورة في حد ذاتها، ففي حالة التوحيدي ومسكويه، يتفق كل من محقق النص المفكر المصري أحمد أمين، وأركون -في دراسة خصصها للكتاب- على أن غرض التوحيدي كان محاولة التقرب من مسكويه طمعا في ماله ومركزه وفي علمه أيضا، بينما كان غرض مسكويه هو الحاجة لأن يفرض نفسه كأستاذ وكفيلسوف، خصوصا وأنه لم يعترف به كقامة علمية وفلسفية من قبل أقرانه، ولأنه اهتم في بداية حياته بالكيمياء فقد كانوا ينظرون إليه كمجرد كيميائي مبتذل لا كأديب أو فيلسوف مقتدر، و”قد كان يعرف أن الرد على أسئلة مفكر في مثل ثقافة التوحيدي ورهافة حسه يعني تكريس شهرته الفلسفية الخاصة بالذات”، بينما الوضع مختلف تماما في حالة أركون، فكتابه “الهوامل والشوامل” الذي هو ترجمة للقسم الأول من كتاب: : ABC de l’Islam Pour sortir des clôtures dogmatiques وهو طبعة معدلة ومنقحة ومزادة عن كتابه: l’Islam approche critique والذي ترجم إلى العربية أول الأمر بـــــــ: الفكر الإسلامي نقد واجتهاد، وهو كتاب موجه بالدرجة الأولى للقارئ الغربي، لأن الأسئلة التي يتضمنها تثير أهم القضايا التي يطرحها الآخر عن الإسلام، ومن ثم فالهدف من الكتاب هو محاولة خلخلة الرؤية السلبية التي يرسمها المخيال الغربي عن الإسلام والتي انتهت إلى ما يسمى بالإسلاموفوبيا، يقول أركون عن تجربته مع المحاورات وأهميتها في نقل الفكرة بصورة بسيطة وفعالة: “قد حصلت لي سابقا تجربة أولى مع الصحفي الإيطالي ماريو أروسيو في مجال المقابلات، وأقنعتني هذه التجربة بفائدة أسلوب المقابلة كطريقة في العمل، لأن لائحة الاسئلة المحضرة جيدا تشتمل على أنواع الفضول المعرفي والتساؤلات المتكررة للجمهور الواسع، وهي تشكل محرضا على التفكير، وتتطلب الإيجاز والوضوح في الوقت الذي تجدد فيه فهم المادة عن طريق إدخال تساؤلات متينة وقيمة، ولهذا السبب بالذات، فقد قبلت أن أكرر التجربة نفسها مع السيدين دانيال بيرينياك وآلان غونيت، وسيلاحظ القارئ أن الأسئلة المطروحة تستعيد الموضوعات المشكلة للمتخيل الغربي عن الإسلام”. هكذا نلاحظ أن الغرض من التأليف والجمهور المستهدف في حالة التوحيدي ومسكويه مختلفان تماما عن حالة أركون ومحاوريه.


في كتاب الهوامل والشوامل الأولى -إن جازت التسمية- طرح التوحيدي على مسكويه أزيد من 175 مسألة (الهوامل) –في الأصل طرح عليه 180 مسألة غير أن 5 مسائل سقطت ولم تظهر في الطبعة الجديدة للكتاب- متعددة المواضيع؛ شملت الأخلاق والسياسة والطبع والشخصية والتاريخ والطبيعة والإلهيات..إلخ، وبالرغم من تعدد هذه القضايا وتشعبها إلا أنها تلتقي في مشكلة كبرى هي مشكلة الإنسان؛ الإنسان الباحث عن المعرفة، عن الفهم، عن الطمأنينة، وعن السعادة، وهي قيم بدت للتوحيدي غائبة أو مستعصية على التحصيل-وهي في الحقيقة تعبر عن جزء كبير مما كان يعانيه شخصيا من القهر والفاقة والبؤس- ذلك ما نفهمه من نبرة الأسئلة بما فيها من تردد بين الحدة والجرأة أحيانا، والضعف والاستسلام أحيانا أخرى، وهو تردد يعيشه أي إنسان يمارس حريته في التفكير والسعي للمعرفة في أعلى وأدق تجلياتها؛ إذ تتنازعه إرادتان: إحداهما تجذبه نحو طلب الزيادة والفهم لكل ما حوله، وإرادة أخرى تضغط عليه للتوقف والاكتفاء والركون لما تقرره سلط أخرى غير عقله، بالنظر لما في هذا التوقف من توازن نفسي وطمأنينة داخلية ولو بصورة مؤقتة.
في المقابل تكشف إجابات مسكويه عن إنسان مختلف تماما عن إنسان التوحيدي، فإنسان مسكويه متجاوز للتردد والشعور بالضياع الذي يعيشه إنسان التوحيدي، لأن إنسان مسكويه منطقي، عقلاني-طبعا العقلانية كما هي في زمنه، العقلانية القروسطية- يؤمن بانتظام الأشياء وقابلية هذا النظام للتعقل، ومن ثم جاءت الإجابات(الشوامل) ملتزمة بطرق الاستدلال والبرهان الموصلة إلى نتائج ضرورية تلزم عن مقدماتها، دون أي تردد أو اضطراب أو شعور بعدم اكتمال المعنى، كما جاءت الشوامل -في الغالب– مؤطرة تأطيرا أخلاقيا، بحكم الاهتمام الكبير لمسكويه بالأخلاق، فمفاهيم: الفضيلة، السعادة، الكمال، وكل ما سار في فلكها مهيمنة على إجاباته تصريحا أو تلميحا، لأن الأخلاق هي أولوية الأولويات في منظومته الفكرية، حتى أنه مما يروى حول لقائه بابن سينا أن هذا الأخير دخل عليه وكان في حلقة درس، ويبدو أن ابن سينا لم يلتزم بآداب الدخول، ودون مقدمات رماه بجوزة وقال له: “ابن لي مساحة هذه الجوزة بالشعيرات، فألقى إليه مسكويه أوراقا –والغالب أنها من كتابه تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق- وقال له: أصلح بهذه أخلاقك حتى أجيبك إلى بعض ما تريد”.
أما العبارة المهمة التي وسمنا بها هذه المقالة، أي عبارة: “الإنسان أشكل عليه الإنسان”، فقد ذكرت تحديدا في المسألة 68 من الهوامل، والتي يثير فيها التوحيدي قضية النفس الإنسانية، منزلتها، غايتها ووجه علاقتها بالإنسان، هذا المفهوم الملتبس لدرجة الأشكلة، حيث يقول :
“ما ملتمس النفس في هذا العالم؟
وهل لها ملتمس وبغية؟
(..)ولولا أن يتسع النطاق لسألت: ما نسبتها إلى الإنسان؟
وهل لها به قوام أو له بها قوام وإن كان هذا فعلى أي وجه هو؟
وأوسع من هذا الفضاء حديث الإنسان؛ فإن الإنسان قد أشكل عليه الإنسان”.
في إجابته حول هذه المسألة ينطلق مسكويه من الاعتراض على توظيف كلمة “الالتماس” التي يراها غير مناسبة لهذا السياق-قضية النفس-ليقرر أن ما ينبغي أن نعتقده حول غاية النفس أنها “تظهر آثارها في كل مزاج بحسب قبوله، وتستعمل كل آلة طبيعية بحسب ملاءمتها في كل ما يمكن أن تستعمل فيه، وتنهيه إلى أقصى ما يمكن أن ينتهي إليه من الفضيلة وهذا الفعل من النفس لا لغرض أكثر من ظهور الحكمة وذلك أن ظهور الحكمة من الحكيم لا يكون لغرض آخر فوق الحكمة؛ لأن أجل الأفعال ما لم يرد لشيء آخر، بل لذاته(..) النفس تكمل في هذا العالم بقبولها صور المعقولات لتصير عقلا بالعفل بعد أن كانت بالقوة، فإذا عقلت العقل صارت هي هو”. فتكون بذلك غاية النفس –ملتمسها كما عبر عنه التوحيدي في سؤاله- هي الفضيلة المؤدية إلى الحكمة التي تنهي إلى تعقل العقل، لتنتقل النفس-العقل من مرتبة الوجود بالقوة إلى مرتبة الوجود بالفعل، أي الغاية القصوى المطلوبة لذاتها لا لغرض آخر؛ منفعة كان أو شهرة، أو ملك أو غير ذلك.
أما عن علاقة النفس بالإنسان فيجيب مسكويه بأن “الإنسان” لفظة موضوعة للدلالة على “الشيء المركب من نفس ناطقة وجسم طبيعي؛ لأن كل مركب من بسيطين أو أكثر يحتاج إلى اسم مفرد يعبر عن معنى التركيب، ويدل عليه كما فعل ذلك بالصورة التي تجتمع مع مادة الفضة فتسمى خاتما (…)فالإنسان هو النفس الناطقة إذا استعملت الآلات الجسمية التي تسمى بدنا لتصدر عنها الأفعال بحسب التمييز”. وهكذا نلاحظ الفرق الكبير بين حرارة السؤال وبرودة الجواب، فالتوحيدي لم يوظف عبارة الأشكلة إلا لأنه يعانيها فعلا، وبدرجة كبيرة، فالإنسان يمثل بالنسبة للتوحيدي عالما غامضا معقدا متقلبا مستعصيا على الفهم، بينها جاءت الإجابة بسيطة متكئة على ما أقرته الفلسفة اليونانية، من أن الإنسان مركب نفس وجسم-مجموعة آلات-وغاية النفس الفضيلة لذاتها لا لغرض آخر، وطريق ذلك توظيف آلات الجسم والارتقاء في التعقل حتى تعقل العقل، فقد أجاب مسكويه عن المسألة دون أن يعير اهتماما ولا أن يعلق عن عبارة التوحيدي حول كون الإنسان أشكل عليه الإنسان، مما يعني أن لا إشكالية في مفهوم الإنسان بالنسبة له.
تلقف أركون عبارة التوحيدي “الإنسان أشكل عليه الإنسان” وكررها في أكثر من موضع ضمن أعماله، واصفا إياها بالعبارة الحديثة شكلا ومضمونا، ولأنها عميقة وحبلى بالمعاني، فقد وظفها أركون للدلالة لا على المعنى الذي طرحه التوحيدي فقط، أي استعصاء فهم علاقة النفس بالإنسان، وإنما للدلالة على معنى أوسع ووضع أعقد وأكثر أشكلة، كما لا يعير اهتماما لجواب مسكويه، لأن موقف هذا الأخير يرتد إلى الميتافيزيقا ويبتعد تماما عن الإنسان المحسوس، الإنسان-الشخص الذي يعاني في الواقع، لذلك فأركون يسحب العبارة لطرح إشكالية علاقة الإنسان بالإنسان الآخر، وحقوق الإنسان على الإنسان، ضمن منظور فكرة الأنسنة التي دافع عليها منذ أطروحته للدكتوراه حول مسكويه وجيله، يقول موضحا: “أنا اعتقد بقوة هذه العبارة، بقوة هذا التساؤل الذي تنطوي عليه، التساؤل المطروح هو التالي: كيف يمكن أن نصالح الإنسان مع نفسه بطريقة عملية، ملموسة، أقصد بطريقة معاشة على أرض الواقع، كما وتتجسد في نظام اقتصادي أيضا فيه شيء من العدالة والمساواة في الفرص والحظوظ(…)هذه هي الإنسية والنزعة الإنسية الحقيقية والفلسفة القائمة على الإنسان واحترام الإنسان واعتباره أغلى وأعز شيء في الوجود، أما الكلام المعسول..”.
فالأنسنة كما فهمها وجسدها التوحيدي في زمانه، وكما نظر لها أركون في زماننا، تثور على الإنسان حينما يصبح العدو الأخطر للإنسان، كما هو الوضع في أيامنا هذه حيث الإنسان يموت كل يوم بقنابل يطلقها الإنسان على أخيه الإنسان في جميع مناطق الدنيا وجميع البيئات الاجتماعية، مشاكل الإنسان كلها بسبب الإنسان، الإنسان سبب تعاسة الإنسان، ولن يستقيم حال الإنسان مادام قد اشكل عليه الإنسان، وما فائدة الفكر إذا لم يؤد إلى إسعاد الإنسان؟ ثم ما فائدة الدعوات بكل اللغات ومن كل الطوائف والملل والنحل وكل التقاليد والعقائد المتنافسة وكل واحدة منها تقدم نفسها على أنها السبيل إلى الفضيلة والإنسان الفاضل.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*