الرئيسية / الرئيسية / إذا نجحت في الأهلية نجحت في الحياة

إذا نجحت في الأهلية نجحت في الحياة

عاشور فني

حين استدعاني السيد مدير الإكمالية المرحوم سي القريشي إلى مكتبه مع أحد الزملاء من الصف الثالث الإعدادي في ذلك المساء البعيد حرص على أن نحمل معنا أدواتنا المدرسية. فقد قرر أمرا مهما تم تدبيره في سرية تامة مع أوليائنا دون علمنا. ومن الحزم ألا يعلم زملاؤنا بذلك الأمر. نحن العصاميون خريجو “الجامع” و”اللوحة والقلام والدواية” لا نحتاج إلى معلم وإنما نحتاج إلى منهج واضح نتعلمه. على عكس زملائنا من الذين فشلوا في إكمال دراستهم في النظام المدرسي العمومي فاستقبلتهم هذه الإعدادية. إكمالية الشهيد عبد الحميد حمادوش  هي فرصتهم الثانية. أما نحن فكانت تلك فرصتنا الوحيدة.

الشهيد عبد الحميد حمادوش

سبقنا إلى مكتب السيد المدير زميلان من قسم آخر. كان اللقاء قصيرا ولكنه مؤثر جدا: “انتم من خيرة تلاميذ هذه الإكمالية وقد وقع الاختيار عليكم للتقدم إلى امتحان الأهلية. معدلاتكم مرتفعة جدا. أهلكم ينفقون عليكم للدراسة وعليكم أن تثبتوا جدارتكم. وقد أكملتم برنامج السنة الثالثة إعدادي. وفي الشهرين الباقيين عليكم أن تدرسوا برنامج السنة الرابعة. بمفردكم. أساتذتكم يعتقدون أنكم قادرون على ذلك. ونحن من جهتنا نثق في قدراتكم. ونعول عليكم لرفع معدل النجاح في الإكمالية لكي يقبلوا طلباتنا باعتمادها في الأكاديمية. ولتوفروا على أوليائكم تكاليف السنة القادمة. ستكونون قد نجحتم في الأهلية. ها هي استدعاءات الامتحان. هيا انصرفوا. لا تكلموا أحدا في الأمر. عودوا إلى بيوتكم الآن قبل أن يدق الجرس.”

 

سي القريشي مدير الإكمالية

كانت كلمات سي القرشي أشبه بالأوامر العسكرية لكنها ذات مفعول سحري. هذه الشحنة العالية من الثقة ومن الحماس الذي تبثه في الروح لا تفسير لهما. كان سي القريشي أحد تلاميذ زاوية سي عبد الحميد بن حمادوش ثم أحد شيوخها. استشهد الشيخ بن حمادوش وهو قاض في الثورة لكن تلاميذه -ومنهم سي القريشي- أعادوا تأسيسها كإكمالية حرة يلتحق بها أبناء الريف والقرى المجاورة. وكان أساتذتها من طلبتها السابقين ومن المعلمين الفلسطينيين. سرعان ما نالت شهرة واسعة بفضل نظامها الصارم ومعدلات نجاحها العالية. أصبحت إكمالية عبد الحميد حمادوش هذه تنافس زاوية (بير قاصد علي) الشهيرة ببرج بوعريريج و(زاوية الهامل) ذائعة الصيت ببوسعادة. كان لنا زملاء دراسة من بجاية وتيزي وزو والمسيلة.
خرجت مع زميلي إبراهيم ولم ننطق بكلمة واحدة. كنا مكلفين بأمر خطير. لم نكن متنافسين في القسم بل كان تفوقنا قاعدة لصداقة هادئة قائمة على الاحترام. والآن أمامنا تكليف خطير: النجاح في الأهلية ومغادرة الإكمالية. لم ندرس برنامج السنة الرابعة بعد، بل المطلوب أن نشرع فيه الآن. ونكمله خلال شهرين. زودنا سي القريشي بتوصيات دقيقة للحصول على كتب المقرر. معنى ذلك أن نتوقف مؤقتا عن قراءة جبران والمنفلوطي والمازني. لم تكن مشاعرنا تسمح لنا باستيعاب الأمر جيدا. لم نودع بعضنا. خرجنا صامتين إلى دراجتينا. وانصرفنا صامتين. الطريق واضح جدا: النجاح في الأهلية ومغادرة الإعدادية. بعد ذلك؟ لا شيء. كان يصعب علينا أن نتصور شيئا وراء ذلك الأفق الأزرق الذي تلتقي فيه السماء بالأرض. لم نلتق أنا وزميلي بعدها أبدا.
كانت شهادة الأهلية مطلبا بعيد المنال. تشبه خط الأفق البعيد. لكنها كانت تتيح فرصا كبيرة لمن ينالها: التوظيف في الإدارة والمحاكم ولدى المحامين والتدريس أو الالتحاق بالمعاهد التكنولوجية للتربية للالتحاق بسلك التعليم. كان ذلك حلم جيل كامل. كثير من زملائي حققوا حلمهم في مسيرة مهنية ناجحة في هذه الأسلاك. كانت لنا خلاصة جاهزة: إذا نجحت في الأهلية فقد نجت في الحياة.
كان عليّ أن اثبت جدارتي: استيعاب برنامج السنة الرابعة كاملا في كل المواد. بمفردي. هل يبدو الأمر واضحا؟ دون معلم ودن مساعدة من أحد. خبرتي في الدراسة لم تكن تتعدى ثلاث سنوات ونصف هي كل حياة المدرسية. علي أن أكملها بهذا التحدي الكبير.

الواقع أني لقيت من أهلي كل الدعم والمساندة: إعفاءات تامة من كل الأشغال الفلاحية المنهكة أو التي تشغل الذهن والتفرغ للتحضير. ساعدني ذلك على الإحساس بالتميز: مسؤولية شخصية وتركيز دائم خلال شهرين متتاليين. كنت أشعر بقدرة عجيبة على الاستيعاب. لعل الشعور برهبة اللحظة قد حرك مكامن الطاقة الذهنية التي يختزنها شاب في السادسة عشر. مع مرور الزمن صرت استشعر قدرات كبيرة على التحليل الرياضي وعلى استيعاب المواد العلمية. أما النصوص الأدبية فقد كانت بمثابة محطات متعة حقيقية: وصف الطبيعة ووصف الناس. القواعد النحوية والمفردات كانت تمثل رصيدا حافلا بالمتعة: كل مفردة مرتبطة بنص أو بقصة أو بحياة كاتب. من غريب الصدف أن أجتاز الشهادتين معا في نفس السنة (1974) مترشحا حرا وأحصل عليهما معا: شهادة التعليم الابتدائي وشهادة التعليم المتوسط. ختمت بذلك أربع سنوات من التعليم في المدرسة هي كل حياتي الدراسية. هل أفرح أم أحزن؟

بعد إعلان النتائج تسرب إلى نفسي شعور غريب: أن أرى كل الزملاء الذين لم أودعهم. ومازال بي حنين للقائهم حتى الآن.
في تلك الفترة جربتُ أقوى المشاعر: رهبة الإحساس بالمسؤولية وأن الثقة أمانة وأن العمل الجدي سبيل النجاح وأن روح التحدي سبيل إلى متعة الاكتشاف. كانت حياتي الدراسية خاطفة. بعدها عدت إلى الحياة العملية والدراسة العصامية. تجربة لا تشبه في شيء تحارب التلاميذ المتمدرسين…

 هل نجحتَ في الأهلية؟ إذا فقد نجحتَ في الحياة…

عاشور فني

رابط : تاريخ زاوية بن حمادوش

قدماء مدرسة الشهيد بن حمادوش

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*