الرئيسية / اكاديميا / أوهام تحرك الساحة الثقافية

أوهام تحرك الساحة الثقافية

عاشور فني

 

 

 

 

 

نشرت على صفحة (أفكار ضد القصف) بتاريخ 08 سبتمبر 2013

أشتغل على الثقافة والمثقفين والمؤسسات الثقافية في علاقتها بحقل الإعلام والاتصال. أتابع تطوراتها الهيكلية عبر مراحل طويلة من الزمن. ومن أجل إثراء النقاش يمكن أن نقدم هنا خلاصة مكثفة لهذه التحولات.
كانت السلطة من خلال جهاز الحزب قادرة على تحريك “الأدباء” والمثقفين بسهولة من خلال فضاءات مهيكلة: اتحاد الكتاب – المهرجانات الأدبية- التظاهرات الرسمية. واستطاعت أن تنشئ جيلا فرضته على الساحة يحمل أفكارها وتطلعاتها. بعد التعددية السياسية توزع هؤلاء المثقفون على الهياكل الثقافية الرسمية: وزارة الثقافة -اتحاد الكتاب- مديريات الثقافة – الجمعيات الثقافية – معارض الكتب- دور النشر – المهرجانات المرسمة- (أكثر من مائة مهرجان لها محافظون معينون). تمتلك أدوات لتحريك الساحة أو توجيهها عن بعد في معظم الأنشطة. من أهمها الإعانات المالية والتكريمات والوفود الثقافية . كل هذا معروف.
لكن الذي يظهر الآن هو أن للساحة طريقة أخرى للتصرف من خلال آليات ذاتية تسير المثقفين لا باعتبارهم فئة متميزة لها وظيفة ثقافية في المجتمع بل باعتبارهم “جماعات” قادرة على أداء أدوار خارج الساحة الثقافية. ادوار سياسية بالأساس. كما كان الشأن خلال “ثورة التحرير” وخلال مرحلة “البناء والتشييد” العتيدة. جماعات لا تقبل الفكرة الفردية ولا تقبل التفكير بل تجمع الأسماء المؤثرة وتوظفها. جماعات مسلحة إيديولوجيا أو مسلحة بوهم جماعي يضفي عليها صبغة مهيبة. او جماعة مسلحة بالوسائل والعتاد اللازم للنشاط الذي تمارسه. تأتمر بالأوامر الصادرة من جهة أخرى تتولى التفكير والتدبير. الفكر الشخصي والمنطق الفردي مرفوض في الساحة الثقافية. إن خرجت عن السرب فستجلب لنفسك العداوة. التهميش. النبذ. هذا المنطق سياسي ولا علاقة له بالثقافة. يترتب عن ذلك لجوء الكثير من الأسماء الوطنية إلى الهجرة الداخلية أو الخارجية. هجر الساحة الثقافية الرسمية الوطنية والمحلية بشكل علني ومقصود… 
لم يعد موظفو الوزارة ولا موظفو الحزب الواحد (سابقا) هم المؤثرون بل أصبحت “قيادة المثقفين” مهنة مطروحة للمزاد: من يستطيع أن يجلب أكبر عدد من الأسماء بإمكانه ان يتولى “قيادة الجماعة”. كانت فكرة “الجيل” هي الوهم الكبير الذي جمع نخبة السبعينيات ضد سابقيهم فحولوهم بدورهم إلى “أجيال” الستينيات والخمسينيات، وكأن الجزائر لم تنشأ إلا في هذه الحقبة. من يراجع تاريخ الجزائر الثقافي يجد العجب العجاب. فقد وجدنا مثقفين طبعوا عصرهم بطابعهم ووجدنا عشرات من المثقفين المرتبطين بالمؤسسات والمهن الرسمية التي زاولوها ولم يخرجوا عنها. غير أن فكرة الجيل هذه ابتذلت ولم يعد يؤمن بها واضعوها أنفسهم بعد ان استهلكوها في التعيينات في المناصب الثقافية التي أتيحت لهم فلم يخرجوا عن إطار التاريخ : الارتباط بالمؤسسات وعدم القدرة على تجاوز حدود البيروقراطية الثقافية.
بعد وهم الجيل جاءت فكرة الأدب المؤدلج وخاصة فكرة الأدب الإسلامي وفكرة الحداثة. وهمان كبيران يحاول من خلالهما مجموعة من الشباب الغاضب أن يربط علاقاته بالعالم الخارجي. لكن المشكلة هي أن السعي للارتباط بالتيارات الكونية رافقه انقطاع الارتباط بجذور الثقافة الوطنية التي تزدادا ضمورا واضمحلالا. بقدر ما يزداد الانفتاح على الخارج يزداد الانغلاق على الداخل. هاهي الأسماء التي تظهر في الجزائر تبحث عن مكان لها في المشرق أو المغرب مع فقدان الروابط بالثقافة الوطنية. هكذا عادت الوهم القديم: افرض اسمك في الخارج ليرتفع شأنك في الداخل. في ظل انغلاق الساحة الثقافية الوطنية وتكلسها صارت سباقات المسابقات والنشر في المشرق والمغرب هاجسا لكثير من الأسماء. لست ضد الطموح الشخصي لكنني أحلل ظاهرة تنمو وتتفاقم. مسؤولية السلطات العمومية في هذا الشأن كبيرة. مثلا دعم الكتاب ذهب على طرابندو الناشرين أما المؤلفين فهم أضيع من الأيتام في مأدبة اللئام. معارض الكتاب أصبحت ظاهرة تجارية بالأساس. 
أما ما يحرك هذه الساحة الآن فهي الطموحات الشخصية: القضايا الفكرية والفنية والأدبية يهتم بها قلة من المبدعين والباحثين والمثقفين المنتجين بشكل دائم ومنتظم. هؤلاء هم ذخر الثقافة الوطنية ورصيدها النامي. أما هذه الطفرات التي تحدث من حين إلى آخر فهي بدوافع مرتبطة بالأحداث والتقلبات خارج الساحة الثقافية. 
لقد أصبح الصعود السريع في المناصب للحصول على امتيازات مرتبطة بتلك المناصب دافعا قويا لدى بعض “المثقفين” المستعجلين جدا . وهناك دافع قوي لدى آخرين وهو الشهرة والانتشار. وقد لاحظنا هذا لدى كثير من الزملاء الذين يرون في الشهرة هدفا في حد ذاته. ولا يقيسون العمل الذي يقومون به إلا من خلال ما يتيحه من انتشار. قليلون أولئك الذين يتابعون أهدافا ثقافية : الاشتغال على مشروع فكري او ثقافي بأهداف محددة وبأسلوب علمي وبوتيرة منتظمة.
كانت لنا في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات مشاريع متعددة جماعية ترمي غلى تأسيس شيء جديد. كنا نناقش كل شيء ونعرضه على المنطق والفكر. نتحرك ببطء ولكن أهدافنا كانت واضحة وعالمنا كان بملامح محددة نقبل منها ما نقبل ونرفض ما نرفض. ثم تغيرت الأمور خلال التسعينيات والألفية الجديدة. ظهرت معطيات جديدة. أصبحت علاقاتنا شخصية. فقد الكثير من الزملاء ثقتهم في المؤسسات وفي المنطق. أصبح اغتنام الفرص قاعدة. البحث عن مصير فردي وعن منفذ للعالم المنفتح. ما يحرك الساحة الثقافية الآن هو هاجس النجاح الفردي بعيدا عن الآخرين إن لم يكن ضدهم أو باستغلالهم… لذلك يمكن لأحدهم أن يوظف كل الأسماء البارزة للحصول على الشهرة ثم يبيعهم جميعا في سوق المال. هكذا كانت تجربة الجمعيات الثقافية التي تحولت إلى شركات للاستيراد والتصدير. هكذا تصرف منظمو المهرجانات الذين استنفدوا طاقات المبدعين في التظاهرات العابرة التي لاتسمن ولا تغني من جوع. وهكذا تفاقمت الأمراض التي تضرب الثقافة في الصميم: استحواذ “جماعات” على موارد الإنتاج الثقافي والمؤسسات الثقافية من جهة وإشاعة الابتذال والسرقة والانتحال من جهة اخرى حتى صارت الثقافة رديفا للابتذال وفي أحسن الحالات “الفولكلور”. ذلك هو الفساد الثقافي.
ما يحرك الساحة الثقافية في مثل هذه الظروف هو هاجس الخوف من التهميش وهاجس فوات الفرصة وهاجس موت البطيء. لذلك ترى الكثير من زملائنا على رزانتهم وقوة عزيمتهم ينخرطون أحيانا في حركات جماعية تضمن لهم الحضور افعلامي في الساحة. ربما كن بعضهم غير مقتنع كل الاقتناع بما يجري ولكنه يجاري الفاعلين المتحكمين في دواليب الأمور لئلا يتعرصض للانتقام والتنكيل في صورة تهميش وإقصاء يضاف غلى ما يعيشه الكثيرون من شعور الإهمال والتخلي الذي مارسه (الأب) الذي كان متسلطا على الساحة ثم تخلى عنها فجأة.
ما يحرك الساحة الثقافية منطقان: منطق جماعي تحكمه الدوافع السياسية والتجارية. دوافع من خارج الساحة الثقافية نفسها. ومنطق فردي تحكمه نوازع الخوف ونوازع النجاح الفردي. من هنا تدخل كل الأوهام الجماعية. من هنا أيضا تتحكم الجماعات الثقافية المسلحة بالأوهام الكبرى أو بالترسانة القانونية والأموال الخليجية والشعارات المشرقية والغربية.
لم أعالج المسألة من منطلق مسبق بل من منطق التطور التاريخي. الجمعيات والشخصيات الثقافية التي تتحرك خارج منطق الساحة الثقافي قليلة وغير مؤثرة ومنطق الساحة يهمشها. من أجلها ومن اجل من يعمل على التطوير والإصلاح نحاول أن نكشف عن هذه الآليات المتعفنة التي تحكم الساحة.هذا المنطق الثنائي لم أختره بل الساحة فرضته. قبول الريع مقابل الولاء او رفض الريع مقابل التهميش. هذه ليست كلمات. هذه حقيقة يعيشها العشرات من المبدعين والمؤلفين عبر ربوع الوطن.من حاول أن يسير خارج الآليات التي فرضتها الساحة بكل مكوناتها سيجد نفسه خارج مجال التغطية.
في ظل غياب رأس مال ثقافي منتج واستثمار في الصناعات الثقافية تدفع بها إلى تبني المعايير الصناعية في العمل والمعايير الموضوعية في العلاقات تظل هذه الظواهر الطفيلية هي المهيمنة على الساحة.

لكن مستقبل الثقافة يمكن ان يتغير تماما في حالة تحول المعطيات داخل الوسط الثقافي بحيث تبرز حركة قوية لمجتمع مدني واعي وفاعل وقادر على تغيير معطيات الساحة الثقافية بواسطة قلب ميزان القوة  في العلاقة بين المثقفين والمؤسسات الرسمين. أن تكون الحركة الثقافية نتيجة وعي ثقافي لا نتيجة ارتباطات مصلحية. ان تتحول العلاقة بالمؤسسة الثقافية إلى علاقة فعل يكون فيها المثقفون هم المحرك لا علاقة تبعية.

تتوفر في الجزائر موارد بشرية معتبرة وحظيرة من الهياكل الثقافية الضخمة وترسانة من القوانين المنظمة للفعل الثقافي وميزانية معتبرة للأنشطة الثقافية. لا يعقل أن تبقى البيروقراطية مستفردة بكل هذه الموارد في غياب حركة قوية للمجتمع المدني في الوسط الثقافي.

لكن ذلك مشروط بسقوط الأوهام. أوهام الجماعة وأوهام الفرد. أوهام الخوف من التهميش وأوهام النجاح الفردي. النجاح جماعي أو لا يكون.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*